ابن قيم الجوزية
331
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
ولما علم ذلك أعرف خلقه به قال : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله فعلم أرباب البصائر بصبره سبحانه كعلمهم برحمته وعفوه وستره مع أنه صبر مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة وهو صبر من أعظم مصبور عليه فإِن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين ومن إحسانه فوق كل إحسان بغاية القبح وأعظم الفجور وأفحش الفواحش ونسبته إلى كل مالا يليق به والقدح في كماله وأسمائه وصفاته والالحاد في آياته وتكذيب رسله عليهم السلام ومقابلتهم بالسب والشتم والأذى وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم أمر لا يصبر عليه إلا الصبور الذي لا أحد أصبر منه ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه . وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه والفرق بينهما فتأمل قوله تعالى : ( ان اللَه يُمسِكَ السماوات والأَرضَ أَن تزولا ولئن زالتا ان أَمسكهما من أحد من بعده إِنه كان حليماً غفورا ) وقوله : ( وقالوا اتخذ الرحمَنَ وَلدا لَقد جِئتُم شَيئاً أدا تكاد السماوات يتفطَرن مِنهُ وتنشَقُ الأَرض وتخر الجبال هدا أَن دعوا للرحمَن وَلَدا ) وقوله : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) على قراءة من فتح اللام . فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السماوات والأرض فالحلم وإمساكهما أن تزولا هو الصبر فبحلمه صبر عن معالجة أعدائه . وفي الآية اشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى فالذي عنه الامساك هو صفة الحلم والامساك هو الصبر وهو حبس العقوبة ففرق بين حبس العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها فتأمله .