ابن قيم الجوزية
40
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
شهوات بلا عقول وخلق الانسان وجعل له عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم ولما خلق الانسان في ابتداء أمره ناقصاً لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه فصبره في هذه الحالة بمنزلة صبر البهائم وليس له قبل تمييزه قوة صبر الاختيار فإذا ظهرت شهوة اللعب استعد لقوة الصبر الاختياري على ضعفها فيه فإذا تعلقت به شهوة النكاح ظهرت فيه قوة الصبر ولكن هذا السلطان وجنده لا يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده فإن اشراق نور الهداية يلوح عليه عند أول سن التمييز وينموا على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو خيط الفجر ثم يتزايد ظهوره وكلها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارها بل غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها فإذا طلعت عليه شمس النبوة والرسالة وأشرق عليه نورها رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدها فتلمح العواقب ولبس لامة الحرب وأخذ أنواع الأسلحة ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى والمنصور من نصره الله والمخذول من خذله ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في إحدى المنزلتين ويصير إلى ما خلق له من الدارين .