ابن قيم الجوزية
39
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
فإن قيل : هل يشارك الإنس والجن في هذا الصبر ؟ . قيل : نعم هذا من لوازم التكليف وهو مظنة الأمر والنهي والجن مكلفون بالصبر على الأوامر والصبر عن النواهي كما كلفنا نحن بذلك . فإن قيل : فهل هم مكلفون على الوجه الذي كلفنا نحن به أم على وجه آخر ؟ . قيل : ما كان من لوازم النفوس كالحب والبغض والإيمان والتصديق والموالاة والمعاداة فنحن وهم مستوون فيه . وما كان من لوازم الأبدان كغسل الجنابة والأعضاء في الوضوء والاستنجاء والختان وغسل الحيض ونحو ذلك فلا تجب مساواتهم لنا في تكلفة وأن تعلق ذلك بهم على وجه يناسب خلقتهم وحياتهم . فإن قيل : فهل تشاركنا الملائكة في شيء من أقسام الصبر ؟ . قيل : الملائكة لم يبتلوا بهوى يحارب عقولهم ومعارفهم بل العبادة والطاعة لهم كالنفس لنا فلا يتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث الدين والعقل في مقابلة باعث الشهوة والهوى وإن كان لهم صبر يليق بهم وهو ثباتهم وإقامتهم على ما خلقوا له من غير منازعة هوى أو شهوة أو طبع . فالانسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وإن غلب باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين وإن غلب باعث طبعه من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم . قال قتادة : خلق الله سبحانه الملائكة عقولاً بلا شهوات وخلق البهائم