الشيخ محمد رشيد رضا

88

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أمراء المسلمين حيث سلموا أمورهم ووكلوا اعمالهم من كتابة وإدارة وحماية للأجانب عنهم بل زادوا في موالاة الغرباء والثقة بهم حتى ولوهم خدمتهم الخاصة بهم في بطون بيوتهم بل كادوا يتنازلون لهم عن ملكتهم في ممالكهم بعد ما رأوا كثرة المطامع فيها لهذا الزمان وأحسوا بالضغائن والأحقاد الموروثة من أجيال بعيدة بعد ما علمتهم التجارب انهم إذا ائتمنوا خانوا ، وإذا عززوا أهانوا ، يقابلون الاحسان بالإساءة ، والتوقير بالتحقير ، والنعمة بالكفران ، ويجازون على اللقمة باللطمة ، والركون إليهم بالجفوة ، والصلة بالقطيعة ، والثقة فيهم بالخدعة « اما آن لأمراء الشرق ان يدينوا لأحكام اللّه التي لا تنقض ؟ ألم يأن لهم ان يرجعوا إلى حسهم ووجدانهم ؟ ألم يأت وقت يعملون فيه بما ارشدتهم الحوادث ودلتهم عليه الرزايا والمصائب ؟ ألم يحن لهم ان يكفوا عن تخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ؟ ألا أيها الامراء العظام مالكم وللأجانب عنكم ؟ « ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم » قد علمتم شأنهم ، ولم تبق ريبة في امرهم « ان تمسسكم حسنة تسوءهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها » سارعوا إلى أبناء أوطانكم وإخوان دينكم وملتكم وأقبلوا عليهم ببعض ما تقبلون به على غيرهم تجدوا فيهم خير عون وأفضل نصير ، اتبعوا سنة اللّه فيما ألهمكم وفطركم عليه كما فطر الناس أجمعين ، وراعوا حكمته البالغة فيما امركم وما نهاكم كيلا تضلوا ويهوى بكم الخطل إلى أسفل سافلين ، ألم تروا ألم تعلموا ، ألم تحسبوا ، ألم تجربوا ؟ إلى متى إلى متى ؟ . « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » اه * * * هذا بيان يريك بالحجج الاجتماعية الناهضة ان الغريب عن الملة لا يتخذ بطانة للقائمين بأمر الملة والغريب عن الدولة لا يتخذ بطانة لرجال الدولة ؛ وان لم يكن هؤلاء الغرباء متصفين بما ذكر في الآية من العدوان والبغضاء فكيف إذا كانوا كذلك بينت لنا الآية التي فسرناها بعض حال أولئك الذين نهى المؤمنون عن اتخاذ البطانة منهم مع المؤمنين فدونك هذه الآية التي تبين حال المؤمنين معهم : ( ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ ) فالقرآن ينطق بأفصح عبارة وأصرحها واصفا المسلمين بهذا الوصف الذي هو من أثر الاسلام وهو انهم يحبون أشد الناس عداوة لهم