الشيخ محمد رشيد رضا

89

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الذين لا يقصرون في إفساد أمرهم وتمنى عنتهم على أن بغضاءهم لهم ظاهرة وما خفى منها أكبر مما ظهر . أولئك المبغضون هم الذين قال اللّه فيهم أو في طائفه منهم ( 5 : 82 لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ ) الخ يعنى أولئك اليهود المجاورين لهم في الحجاز . أليس حب المؤمنين لأولئك اليهود الغادرين الكائدين وإقرار القرآن إياهم على ذلك لأنه أثر من آثار الاسلام في نفوسهم هو أقوى البراهين على أن هذا الدين دين حب ورحمة وتساهل وتسامح لا يمكن أن يصوب العقل نظره إلى أعلى منه في ذلك ؟ بلى ، ولكن وجد في الناس من ينكر عليه ذلك ويصفه بضده زورا وبهتانا ، بل تعصبا خرّوا عليه صما وعميانا . من هم الذين يرمون الاسلام بأنه دين بغض وعدوان ؟ لا أقول إنهم النصارى الذين كانوا أجدر بحبنا وودنا من اليهود لقوله تعالى في تتمة الآية التي استشهدنا بها آنفا ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) بل هم قسوس أوروبا المتعصبون على الاسلام من حيث هو دين ، وساستها المتعصبون على الاسلام من حيث هو شرع ونظام قامت به دول وممالك . فأوروبا التي تتهم الاسلام - والشرق الأدنى كله لأجل الاسلام - بالتعصب والبغضاء للمخالف هي التي أبادت من بلادها كل مخالف لدينها إلا الترك ، فإنها لم تقو على إبادتهم حتى الآن ولولا ما بين دولها من التنازع السياسي لقضت عليهم . فنصارى الشرق ومسلموه وكذا وثنيوه إنما اغترفوا غرفة من بحر تعصب أوروبا ولكنهم لا قوة لهم على الدفاع عن أنفسهم أمام أولئك المعتدين أما قوله تعالى ( وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ ) فمعناه أنكم تؤمنون بجميع ما أنزل اللّه من كتاب سواء منه ما نزل عليكم وما نزل عليهم فليس في نفوسكم من الكفر ببعض الكتب الإلهية أو النبيين الذين جاؤوا بها ما يحملكم على بغض أهل الكتاب فأنتم تحبونهم بمقتضى إيمانكم هذا . وذكر بعضهم أن جملة « وتؤمنون حالية من قوله « ولا يحبونكم » والمعنى أنهم لا يحبونكم مع إنكم تؤمنون بكتابهم وكتابكم