الشيخ محمد رشيد رضا

7

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إبراهيم هو الذي بنى أول مسجد للعبادة في أرض بيت المقدس . وذلك معقول وان لم يكن عندنا فيه نص صحيح . وقال ابن القيم : ان الذي أسس بيت المقدس يعقوب ، وإنما كان سليمان مجددا له . هذا وان أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين يتبع . والموضوعات المروية في بناء الكعبة كثيرة ولا حاجة إلى إضاعة الوقت في ذكرها وبيان وضعها أما قوله تعالى في البيت ( مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) فهو بيان لحاله الحسنة الحسية وحاله الشريفة المعنوية . أما الأولى : فهي ما أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شئ على كونه بواد غير ذي زرع ، فترى الأقوات والثمار في مكة أكثر وأجود وأقل ثمنا منها في مثل مصر وكثير من بلاد الشام . وأما الثانية : فهي هوىّ أفئدة الناس إليه وإتيانه للحج والعمرة مشاة وركبانا من كل فج ، وتولية وجوههم شطره في الصلاة ، ولعله لا تمر ساعة ولا دقيقة من ليل أو نهار وليس فيها أناس متوجهون إلى ذلك البيت الحرام يصلون . فأي هداية للعالمين أظهر من هذه الهداية . تلك دعوة إبراهيم ( 14 : 37 رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) وقد أشير إلى الوصفين في قوله تعالى حكاية عن المشركين ( 28 : 57 وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا . أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ؟ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) وقال بعضهم : ان « مباركا » يشمل البركات الحسية والمعنوية . وما اخترناه هو المتبادر . ومن مباحث اللفظ في الآية : ان‌بكة ) اسم لمكة . كما روى عن مجاهد ، قيل : وعليه الأكثرون . وجعلوه من إبدال الميم باء ، وهو كثير في كلامهم ، كسمّد رأسه وسبده ، وضربة لازم وضربة لازب ، وراتم وراتب ، ونميط ونبيط . وقيل : بكة اسم المسجد نفسه ، أو حيث الطواف من التباك ، أي الازدحام . قيل : هو اسم بطن مكة حيث الحرم . ( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ) أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على