الشيخ محمد رشيد رضا

8

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أحد . أحدها ، أو منها : مقام إبراهيم ، أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر . فأي دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أول بيت من بيوت العبادة الصحيحة المعروفة في ذلك العهد وضع ليعبد الناس فيه ربهم - وإبراهيم أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم بجعل النبوة والملك فيهم لا يعرف لنبي قبله أثر ولا يحفظ له نسب . وقوله ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) آية ثانية بينة لا يمترى فيها أحد ، وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى اللّه ، حتى إن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم ما دام فيه . مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الاسلام . ويرد على إقرار الاسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف ، وأجيب عنه : بأنها حلت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده ، كما ورد في الحديث . وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له . وأقول : إن حرمة مكة كلها وما يتبعها من ضواحيها وحلها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ساعة من نهار أمر زائد على ما نحن فيه ، وهو أمن من دخل البيت والنبي لم يستحل البيت ساعة ولا بعض ساعة ، وإنما كان مناديه ينادى بأمره : « من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن » ولما أخبر أبو سفيان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقول سعد بن عبادة حامل لواء الأنصار له في الطريق : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة : قال صلّى اللّه عليه وسلّم « كذب سعد ، ولكن هذا يوم يعظم اللّه فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة » راجع السير ) وأما فعل الحجاج أخزاه اللّه فقد قال الأستاذ الامام : انه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه ، وتأمين من دخله ، وهذا الجواب مبنى على أن أمن من دخل البيت ليس معناه : أن البشر يعجزون عن الايقاع به عجزا طبيعيا على سبيل خرق العادة . وإنما معناه : أنه تعالى ألهمهم احترامه لاعتقادهم نسبته إليه عز وجل ، وحرم الالحاد والاعتداء فيه . ولم يكن الحجاج وجنده يعتقدون