الشيخ محمد رشيد رضا

87

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

غيرهم طلبا للعيش من أي طريق ، وسواء عليهم في تحصيله صدقوا أو كذبوا وسواء وفوا أو قصروا ، وسواء راعوا الذمة أو خانوا أو لو كانوا مع هذا كله يخدمون مقاصد لا ممهم يمهدون لها طرق الولاية والسيادة على الأقطار التي يتولون الوظائف فيها - كما هو حال الأجانب في الممالك الاسلامية لا يجدون في أنفسهم حاملا على الصدق والأمانة ، ولكن يجدون منها الباعث على الغش والخيانة . - ومن تتبع التواريخ التي تمثل لنا أحوال الأمم الماضية وتحكى لنا عن سنة اللّه في خليقته وتصريفه لشؤون عباده رأى ان الدول في نموها وبسطتها ما كانت مصونة إلا برجال منها يعرفون لها حقها كما تعرف لهم حقهم ؛ وما كان شئ من اعمالها بيد أجنبي عنها ؛ وان تلك الدول ما انخفض مكانها ولا سقطت في هوة الانحطاط إلا عند دخول العنصر الأجنبي فيها وارتقاء الغرباء إلى الوظائف السامية في اعمالها ، فان ذلك كان في كل دولة آية الخراب والدمار ، خصوصا إذا كان بين الغرباء وبين الدولة التي يتناولون اعمالها منافسات واحقاد مزجت بها دماؤهم وعجنت بها طينتهم من أزمان طويلة . « نعم كما يحصل الفساد في بعض الاخلاق والسجايا الطبيعية بسبب العوارض الخارجية كذلك يحصل الضعف والفتور في حمية أبناء الدين أو الأمة ويطرأ النقص على شفقتهم ومرحمتهم فينقص بذلك اهتمام العظماء منهم بمصالح الملك إذا كان ولى الأمر لا يقدر اعمالهم حق قدرها وفي هذه الحالة يقدمون منافعهم الخاصة على فرائضهم العامة فيقع الخلل في نظام الأمة ويضرب فيها الفساد ولكن ما يكون من ضره أخف وأقرب إلى التلافي من الضرر الذي يكون سببه استلام الأجانب لهامات الأمور في البلاد لأن صاحب اللحمة في الأمة وان مرضت أخلاقه واعتلت صفاته إلا أن ما أودعته الفطرة وثبت في الجبلة لا يمكن محوه بالكلية فإذا أساء في عمله مرة أزعجه من نفسه صائح الوشيجة الدينية أو الجنسية فيرجع إلى الاحسان مرة أخرى ، وان ما شد بالقلب من علائق الدين أو الجنس لا يزال يجذبه آونة بعد آونة لمراعاتها والالتفات إليها ويميله إلى المتصلين معه بتلك العلائق وان بعدوا . « لهذا يحق لنا ان نأسف غاية الأسف على امراء الشرق وأخص من بينهم