الشيخ محمد رشيد رضا

474

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تحريم الخمر بل لا يخطر في البال شئ آخر يمكن أن يقولوه ، وإذا أنصفوا رأوا الفرق بين تحريم الخمر وتحريم نكاح الرضاع واسعا جدا فان شرب الخمر يؤثر في العصب تأثيرا يغرى الشارب بالعودة إليه حتى يشق عليه تركه فجأة ولا كذلك ترك نكاح المرضعة أو بنتها مثلا ، ثم إذا كانت علة التحريم بالرضاعة - وهي كون بعض بنية الرضيع مكونة من اللبن الذي رضعه - تتحقق بالرضعة أو الثلاث أو الخمس فكيف يجعلها العليم الحكيم عشرا ثم خمسا كما روى عن عائشة ثم أقل من ذلك كما يقول ذلك من يقبل هذه الرواية عنها ويدعى نسخها ؟ وبعد هذا وذاك يقال : من استفاد من هذا التدرج فتزوج من رضع هو منها أو بنت من رضع منها تسعا أو ثمانا أو سبعا أو ستا ؟ ثم ما ذا فعل هؤلاء بعد نسخ العشر ؟ هل فارقوا أزواجهم أم عفى عنهم وجعل التحريم بما دون العشر خاصا بغيرهم ؟ الحق أنه لا يظهر لهذا النسخ حكمة ، ولا يتفق مع ما ذكر من العلة ، وأن رد هذه الرواية عن عائشة لأهون من قبولها مع عدم عمل جمهور من السلف والخلف بها كما علمت ، فإن لم نعتمد روايتها فلنا أسوة بمثل البخاري وبمن قالوا باضطرابها خلافا للنووي وإن لم نعتمد معناها فلنا أسوة بمن ذكرنا من الصحابة والتابعين ومن تبعهم في ذلك كالحنفية وهي عند مسلم من رواية عمرة عن عائشة ، أوليس رد رواية عمرة وعدم الثقة بها أولى من القول بنزول شئ من القرآن لا تظهر له حكمة ولا فائدة ثم نسخه أو سقوطه أو ضياعه فان عمرة زعمت أن عائشة كانت ترى أن الخمس لم تنسخ وإذا لم نعتد بروايتها ، وإذا كان الأمر كذلك فالمختار التحريم بقليل الرضاع وكثيره إلا المصة والمصتين إذ لا تسمى رضعة ولا تؤثر في الغذاء وبمعناها الاملاجة والاملاجتان فإنه من ملج الوليد الثدي إذا مصه وأملجته إياه جعلته يملجه فان رضع رضعة تامة ثبتت بها الحرمة وبهذا يجمع بين الأحاديث وفي الرضاع المحرم للنكاح بحث آخر يتعلق بسن الرضيع ، فقد ذهب بعض علماء الأمة إلى أن الرضاع لا يؤثر إلا في سنه ومدته المحدودة بقوله تعالى ( 2 : 232 وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) وصح هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر من علماء الصحابة وهو