الشيخ محمد رشيد رضا
461
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المرأة أضعف من الرجل وانها تقبل عليه وتسلم نفسها إليه مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها فعلى أي شئ تعتمد في هذا الاقبال والتسليم ؟ وما هو الضمان الذي تأخذه عليه والميثاق الذي تواثقه به ؟ ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها إنك ستكونين زوجا لفلان ؟ إن أول شئ يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول أو التفكر فيه وإن لم تسئل عنه هو انها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها وما ذلك إلا لشئ استقر في فطرتها وراء الشهوة ، ذلك الشئ هو عقل إلهي وشعور فطرى أودع فيها ميلا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل ، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل ، وخبوا مخصوصا لا تجد له موضعا إلا البعل ، فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به مالا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والايمان ، وبه تعتقد المرأة انها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة وإن لم تر من رضيت به زوجا ، ولم تسمع له من قبل كلاما ، فهذا ما علمنا اللّه تعالى إياه وذكرنا به - وهو مركوز في أعماق نفوسنا بقوله ان النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقا غليظا ، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق وما هي مكانته من الانسانية ؟ اه بتصرف ما وقد استدل بعض الناس بالآيتين على منع الخلع - وهو بضم الخاء - طلاق المرأة على عوض تبذله للرجل كأن تترك له ما كانت أخذت منه من صداق وغيره ولذلك قالوا إن ما هنا ناسخ لآية البقرة ( 2 : 129 فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) وزعم آخرون أن تلك ناسخة لهذه وليس عند أحد الفريقين دليل على أن ما جعله ناسخا هو المتأخر ، وإنما أعياهم الجمع بين الحكمين فحكموا بنسخ أحدهما بالآخر ، وآية النسخ التنافي ، ولا تنافى بين ما هنا وما في سورة البقرة كما علم من التفسير الذي شرحناه آنفا . وقد صرح المحققون بعدم النسخ في الموضعين وقالوا إن المحرم هنا هو أخذ شئ من مال المرأة بغير طيب نفس منها والمباح هناك ما افتدت به نفسها برضاها لتعذر الاتفاق بينها وبين زوجها واستدل بعضهم بذكر القنطار هنا على جواز التغالى في المهور والآية ليست نصا في جواز جعل القنطار مهرا لجواز أن يكون إيتاء القنطار بوجوه متعددة كالهدايا