الشيخ محمد رشيد رضا
458
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
النساء خاصة وهي أن بعض ما يكرهه الانسان يكون فيه خير له متى جاء ذلك الخير تظهر قيمة ذلك الشئ المكروه وهي قاعدة عرف العقلاء صدقها بالتجارب ولأجل التنبيه لها قال تعالى وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ولم يقل وعسى أن تكرهوا امرأة . ثم إن في الصبر على المكروه واحتماله فوائد أخرى غير ما يمكن أن يكون في المكروه نفسه من الخير المحبوب فالصابر المتحمل يستفيد من كل مكروه بصبره ورويته سواء ترتب عليه في ذاته خير أم لا . ومن المكروه الذي يترتب عليه خير القتال بالحق لأجل حماية الحق والدفاع عنه فهو بما فيه من المشقة مكروه طبعا وناهيك بما يترتب عليه من إظهار الحق ونصره وظهور أهله وخذلان الباطل وحزبهراجع تفسير 2 : 216 كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ « 1 » ) وللأستاذ الامام كلام حسن هناك في ذلك وليس عندنا شئ عنه في هذه الآية . والحاصل ان الاسلام يوصى أهله بحسن معاشرة النساء والصبر عليهن إذا كرههن الأزواج رجاء أن يكون فيهن خير . وانما يبيح مؤاخذتهن بما تقدم من العضل حتى يفتدين بالمال إذا أتين بفاحشة مبينة بحيث يكون امساكهن سببا لمهانة الرجل واحتقاره ، أو إذا خافا أن لا يقيم حدود اللّه كما في آية البقرة . وإلا وجب على الزوج إذا طلق امرأته ان يعطيها جميع حقها وذلك قوله عز وجل : ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) أي إن أردتم استبدال زوج جديدة ترغبون فيها مكان زوج سابقة ترغبون عنها لكراهتكم لها وعدم طاقتكم الصبر على معاشرتها بالمعروف وهي لم تأت بفاحشة مبينة وقد آتيتم من قبل إحداهن قنطارا من المال أي مالا كثيرا « 2 » سواء أخذنه وحزنه في أيديهن أو التزمتموه لهن فصار دينا في ذمتكم فلا تأخذوا منه شيئا بل يجب أن يكون كله لصاحبته لأنكم انما تستبدلون غيرها بها لأجل هواكم وتمتعكم بغير ذنب شرعي منها يبيح لكم أخذ شئ منه ، كأن تكون هي الطالبة لفراقكم المسيئة إليكم لأجل حملكم على طلاقها . فإذا لم تفعل شيئا يبيح لكم ذلك فبأي وجه تستحلون أخذ شئ من مالها ؟ ( أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) استفهام انكار
--> ( 1 ) ص 319 ج 2 تفسير ( 2 ) تقدم تفسير القنطار في ص 244 ج 3 تفسير