الشيخ محمد رشيد رضا
451
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حرف النفي إشعارا بكون حال المسوفين في عدم استتباع الجدوى أقوى . من حال الذين يموتون على الكفر . وجوز بعضهم أن يراد بالفريقين الكفار ، وبعضهم أن يراد بهما الفساق على أن يكون التعبير عنهم بالكفار من باب التغليظ واختار شيخنا أن المراد بالكفر هنا ما هو دون الشرك . وعدم تصديق دعوة النبوة وهو استعمال معروف في القرآن وصرح به بعض العلماء الأعلام وقالوا إنه يوجد كفر دون كفر وبه فسر أبو حامد الغزالي الحديث الصحيح « لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ، ولا بسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن » فقد بين أن ما يجب الايمان به قسمان : قسم يجب أن يعلم لذاته ولا يتعلق به عمل كالايمان بوجود اللّه وبوحدانيته وسائر ما وصف به نفسه وبالوحي وصدق الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، وقسم يجب أن يعلم ليعمل به كالايمان بالفرائض وكون أدائها من أسباب رضوان اللّه ومئوبته وبتحريم المحرمات وكون اقترافها من أسباب سخطه تعالى وعقابه أي فوق ما في الفرائض من إصلاح النفس وحال الاجتماع ، وما في المحرمات من الضرر في الأفراد والجمعيات ، ويسمى أبو حامد القسم الأول علم المكاشفة والثاني علم المعاملة ؛ ويقول : ان من يعمل السيئة المحرمة لا يكون مؤمنا بتحريمها وصدق الرسول فيما أخبر به من كونها موجبة لسخط اللّه تعالى وعذابه وهو أي الغزالي لا ينفى ايمان هذا من حيث إنه قد فاتته ثمرته وهي العمل به فقط بل يقول إن الايمان يشترط فيه اليقين ومن أيقن بأن شيئا من الأشياء يضره فهو لا يأتيه كما هو معلوم من غرائز البشر وارتباط أعمالهم بإرادتهم وارادتهم بعلومهم المتعلقة بالنفع والضرر ، بل علم من عادة الانسان وطبعه أن يختاط في دفع الضرر حتى أنه ليعمل فيه بقول من لا ثقة بقوله عنده لعدم عدالته . وضرب لذلك أبو حامد مثلا فقال ما معناه : إذا كنت جائعا ولم تجد الا طعاما أخبرك رجل يهودي لا تثق بروايته في أخباره أنه مسموم ؛ أفلا تبنى على الاحتياط وتترك الأكل من ذلك الطعام ؟ بلى انك لتقول انه يحتمل أن يكون صادقا فلا أعرض نفسي للهلاك بهذا الطعام ! وقد أخبرك النبي المعصوم الصادق الأمين بأن هذه الذنوب سموم مهلكة للأرواح مفضية إلى سخط اللّه وعذابه فكيف تدعى الايمان به والجزم بصدقه وأنت تجعل خبره دون خبر ذلك اليهودي