الشيخ محمد رشيد رضا
446
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وتقهرها قهرا لا تقوم لها بعده قائمة وهؤلاء يعدون من التوابين أيضا ، ومنهم فرقة تقوى بالمجاهدة على اجتناب كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم فتكون الحرب في نفوسهم سجالا بين ما يلمون به من الصغائر وبين الخواطر الآلهية التي هي جند الايمان وكثير من الناس يقع في الذنب فيتوب ويستغفر ثم يعرض له مرة أخرى فيعود اليه ثم يلوم نفسه ويندم ويستغفر وهلم جرا ، فهؤلاء في أدنى طبقات التوابين . والنفس الباقية أرخص عندهم من النفس الفانية ، وهم مع ذلك محل للرجاء لأن لهم زاجرا من أنفسهم يذكرهم دائما بالرجوع إلى اللّه تعالى عقب كل خطيئة ، فيوشك أن يقوى هذا الزاجر المذكر على الشهوات المزينة للخطيئة . فإن كان تكرار الاثم يزيد الشهوة ضراوة والنفس جرأة فتكرار تذكير العلم الصحيح يحدث فيها ألما يقاوم تلك الضراوة بتقريع النفس وتحقيرها وتصوير سوء العاقبة لها فتكون الحرب سجالا ، وأثر الآلام في النفس أقوى من أثر اللذات ، فاما أن تنتصر الخواطر والزواجر الآلهية بذلك فيلحق صاحب هذه النفس ببعض تلك الطبقات التي صحت توبتها ، وإما أن تنكسر أمام جند الشهوة حتى تحيط بصاحبها الخطيئة فيكون من المصرين الهالكين . ثم قال تعالى فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الفاء للسببية أي أولئك الموصوفون بأنهم يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فإذا تراخت توبتهم لا يطول عليها الزمن ولا يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون - يتوب اللّه تعالى عليهم بسبب ذينك الأمرين وهما كون فعل السوء لم يكن إلا عن جهالة إذ مثلهم في إيمانهم وتقواهم لا يتعمد الذنب مع الروية وكون التوبة قريبة من زمن الذنب ، لم تدع له مجالا يرسخ به في النفس ، ويجوز أن تجعل معنى السببية مفرعا عن ذلك الأصل المقرر في صدر الآية وهو كون قبول توبة هؤلاء مما أوجبه اللّه تعالى على نفسه بمقتضى رحمته ، وعلمه وحكمته ، أي فأولئك يتوب عليهم قطعا ؛ لأن قبول توبتهم مقرر حتما ، وموعود به وعدا مقضيا وقال الأستاذ الامام : أشار إليهم بعد حصر التوبة المقبولة لهم لتأكيد ذلك الحصر ولاستحضارهم في الذهن عند الحكم حتى لا يخطر في بال القارئ والسامع إشراك غيرهم معهم فيه ، وضمن التوبة معنى العطف أي يعطف عليهم بقبول توبتهم ويعود برحمته عليهم .