الشيخ محمد رشيد رضا

447

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً فمن علمه بشؤون عباده ومصالحهم وحكمته فيما شرعه لهم أنه جعل التوبة بشرطيها مقبولة حتما لأنه يعلم أنهم لضعفهم لا يسلمون من عمل السوء ، فلو لم يكن للعاصي توبة لفسد الناس وهلكوا لأن من يعمل السوء بجهالة من ثورة شهوة أو سورة غضب يسترسل حينئذ في المعاصي والسيئات ، ويتعمد اتباع الهوى وخطوات الشيطان ، لعلمه أنه هالك على كل حال ، فلا فائدة له من مجاهدة نفسه وتزكيتها ، أما وقد شرع اللّه تعالى بحكمته قبول التوبة ؛ فقد فتح لهم باب الفضيلة ، وهداهم إلى محو السيئة بالحسنة ، ولو كان كل ذنب يغفر وكل سيئه يعفى عنها لما آثر الناس الخير على الشر إلا حيث تكون شهواتهم ومهب أهوائهم ، ثم إنه تعالى يعلم التوبة النصوح ؛ والتوبة الخادعة الكذوب ، لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدر ، ومن حكمته أنه لا يقبل إلا التوبة النصوح دون حركة اللسان بالاستغفار ؛ والاتيان ببعض المكفرات من الصدقات أو الأذكار ، مع الاصرار على الذنوب والأوزار . فالمقبم على الذنب لا تطهر نفسه من دنسه بعمل طاعة أخرى وان أحسن فيها وأخلص فكيف من يكون عمله لها صوريا تقليديا لا يمس سواد قلبه قط ، ولا يدل على عنايته بأمر الدين ، ولا خشيته للّه رب العالمين ، كألفاظ الاستغفار والتسبيح ، ولذلك جمع في الآية السابقة بين التوبة واصلاح العمل ، ذكرنا بعض الآيات التي في معناها . وإن أردت الزيادة في هذا المعنى فراجع تفسير ما تقدم من الآيات كقوله تعالى ( 3 : 16 فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا - إلى قوله - وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ) « 1 » وقوله ( 3 : 135 وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) « 2 » وقد أشار الأستاذ الامام هنا إلى نكتة ذكر صفة العلم وصفة الحكمة هنا بقريب مما ذكرناه وذكر غرور الجاهلين من الخلف الطالح بالأذكار القولية واعتمادهم عليها وظنهم أنها تنجيهم في الآخرة من المؤاخذة على الذنوب وإن أصروا عليها ، وقال إن مثل هذا كان معهودا في الأديان السابقة وذلك أن الأمم استثقلت التكاليف لجهلها بفائدتها ففسقت عن أمر ربها واتبعت أهواءها وجعلت حظها من الدين بعض الأذكار والأوراد السهلة التي لا تمنعها من شهواتها وأهوائها شيئا فصار الدين عند

--> ( 1 ) ص 250 و 251 ج 3 تفسير ( 2 ) ص 135 وما بعدها من هذا الجزء