الشيخ محمد رشيد رضا

439

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وافق الجلال الجمهور في الأولى وخالفهم في الثانية فقال إنها في الزنا واللواط معا ثم رجح أنها في اللواط فتكون الأولى منسوخة على رأيه والثانية غير منسوخة . وخالف الجمهور أبو مسلم في الآيتين فقال ان الأولى في المساحقات والثانية في اللواط فلا نسخ وحكمة حبس المساحقات على هذا القول هو أن المرأة التي تعتاد المساحقة تأبى الرجال وتكره قربهم - أي فلا ترضى أن تكون حرثا للنسل - فتعاقب بالامساك في البيت والمنع من مخالطة أمثالها من النساء إلى أن نموت أو تتزوج . أقول : والأولى أن يقال إلى أن تموت أو تكره السحاق وتميل إلى الرجال فتقبل على بعلها ان كانت متزوجة وتتزوج إن كانت أيما . وقال في اسناد جعل السبيل لها إلى اللّه تعالى إشارة إلى عسر النزوع عن هذه العادة الذميمة والشفاء منها حتى بالترك الذي هو أثر الحبس فكأنها لا تزول إلا بعناية خاصة منه تعالى قال ) واعترض على أبى مسلم بأن تفسير الفاحشة في الآية الأولى لم يقل به أحد وبأن الصحابة اختلفوا في حد اللواط . فأجاب عن الأول بأن مجاهدا قال به وناهيك بمجاهد وبأنه ثبت في الأصول أنه يجوز للعالم أن يفسر القرآن ويفهم منه ما لم يكن مرويا عن أحد بشرط أن لا يخرج بذلك عن مدلولات اللغة العربية في مفرداتها وأساليبها ، وأجاب عن الثاني بأن الصحابة إنما اختلفوا في حد اللواط وهذا لا يمنع كون الآية نزلت في العقوبة عليه وهي لا حد فيها . ومما يجاب به عن أبي مسلم أن الصحابة ما كانوا يجلسون لتفسير القرآن إلا عند الحاجة وانما كانوا يندارسونه ويتدبرونه للاهتداء والاتعاظ وهم يفهمونه لأنه نزل بلغتهم ، فإذا سألهم سائل عن تفسير آية ذكروا له تفسيرها وقد يسكتون عن حكم الشئ السنين الطوال لعدم وقوعه فإذا وقعت الواقعة ذكروا حكمها فإذا جاء في القرآن حكم السحاق ولم نجد عندنا رواية عن الصحابة فيه ولا حكما منهم على امرأة بالحبس لأجله علمنا أن سبب هذا وذاك هو أنه لم يقع في زمنهم . ويشهد به أربعة منهم وإذا كان القرآن يضع عقابا على فاحشة أو جريمة فيمتنع عنها أهل الايمان . فلا تقع أولا تظهر فيهم ولا تثبت على أحد فهذا مما نحمد اللّه تعالى عليه ونحمد المؤمنين والمؤمنات ، ولا نعده من المستحيلات ، فالحق أن ما ذهب اليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين