الشيخ محمد رشيد رضا

428

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صلّى اللّه عليه وسلّم ، وطاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هي اتباع ما جاء به من الدين عن ربه عز وجل . فطاعته صلّى اللّه عليه وسلّم هي عين طاعة اللّه عز وجل كما قال تعالى في هذه السورة ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ) وسيأتي ذكر الآية مع تفسيرها ، فما هي النكتة إذا في ذكر طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع ذكر طاعة اللّه تعالى ؟ قد يقال : إن طاعة اللّه تعالى وطاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إنما تتحدان فتكون الثانية عين الأولى فيما يسنده الرسول إلى ربه ويبين أنه بوحي منه . وقد يأمر الرسول بأشياء وينهى عن أشياء باجتهاده فإذا جزم بذلك ولم يقم دليل على أن الأمر للارشاد أو الاستحباب والنهى للكراهة أو الاستهجان وجبت طاعته في ذلك سواء كان في العبادات أو الأمور السياسية والقضائية لأنه إمام الأمة وحاكمها . وقد أجمع المسلمون على أن اللّه تعالى لا يقر رسله على خطأ في اجتهادهم بل يبين لهم ذلك مع ذكر العفو عن عدم إعظاء الاجتهاد حقه الموصل إلى ما هو الصواب المرضى عنده عز وجل كقوله لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم عندما أذن لبعض من استأذنه من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك ( 9 : 42 عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) الآية أو مع العتاب كما عاتبه على اجتهاده الموافق لاجتهاد أبى بكر الصديق‌رض ) في قبول الفداء من أسرى بدر بقوله ( 8 : 66 ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ) الآيتين ، وكما عاتبه في الاعراض عن الأعمى المسترشد في أول سورة ( 80 : 1 عَبَسَ وَتَوَلَّى ) الخ ولا يدخل في هذا المقام ما يقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الأمور الدنيوية المحضة كالعادات والزراعة ونحوها لأنه ليس دينا ولا قضاء ولا سياسة ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم في مسألة تأبير النخل « أنتم أعلم بأمر دنياكم » كما في الصحيح الأستاذ الامام : طاعة الرسول هي طاعة اللّه بعينها لأنه إنما يأمرنا بما يوحيه إليه اللّه من مصالحنا التي فيها سعادتنا في الدنيا والآخرة وإنما يذكر طاعة الرسول مع طاعة اللّه لأن من الناس من كانوا يعتقدون قبل اليهودية وبعدها ؛ وكذلك بعد الاسلام إلى اليوم : أن الانسان يمكن أن يستغنى بعقله وعلمه عن الوحي ، يقول أحدهم انني أعتقد أن للعالم صانعا عليما حكيما وأعمل بعد ذلك بما يصل إليه عقلي من الخير واجتناب الشر . وهذا خطأ من الانسان ولو صح ذلك لما كان في حاجة إلى الرسل وقد تقدم في تفسير سورة الفاتحة أن الانسان محتاج بطبيعته النوعية إلى هداية الدين وأنها هي