الشيخ محمد رشيد رضا
429
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الهداية الرابعة التي وهبها اللّه للانسان بعد هداية الحواس والوجدان والعقل ، فلم يكن العقل في عصر من عصوره كافيا لهداية أمه من أممة ومرقيا له بدون معونة الدين أقول : يرد على هذا من جانب المرتابين والملاحدة : أننا نرى كثيرا من أفراد الناس لا يدينون بدين وهم في درجة عالية من الافكار والآداب وحسن الاعمال التي تنفعهم وتنفع الناس ، حتى أن العاقل المجرد عن التعصب الديني يتمنى لو كان الناس كلهم مثله بل يسعى كثير من الفلاسفة لجعل الأمم مثل هؤلاء الأفراد في آدابهم وارتقائهم . وأجيب عن هذاأولا ) . بأن الكلام في هداية الجماعات من البشر كالشعوب والقبائل والأمم الذين يتحقق بارتقائهم معنى الانسانية في الحياة الاجتماعية سواء كانت بدوية أو مدنية ، وقد علمنا التاريخ أنه لم تقم مدنية في الأرض من المدنيات التي وعاها وعرفها إلا على أساس الدين حتى مدنيات الأمم الوثنية كقدماء المصريين والكلدانين واليونانيين ، وعلمنا القرآن أنه ما من أمة إلا وقد خلا فيها نذير مرسل من اللّه عز وجل لهدايتها ، فنحن بهذا نرى أن تلك الديانات الوثنية كان لها أصل الهى ثم سرت الوثنية إلى أهلها حتى غلبت على أصلها كما سرت إلى من بعدهم من أهل الديانات التي بقي أصلها كله أو بعضه على سبيل القطع أو على سبيل الظن . وليس للبشر ديانة يحفظ التاريخ أصلها حفظا تاما إلا الديانة الاسلامية وهو مع ذلك قد دون في أسفاره كيفية سريان الوثنية الجلية أو الخفية إلى كثير من المنتسبين إليها كالنصيرية وسائر الباطنية وغيرهم ممن غلب عليهم التأويل أو الجهل حتى إنه يوجد في هذا العصر من المنتمين إلى الاسلام من لا يعرفون من أحكامه الظاهرة غير قليل مما يخالفون به جيرانهم كجواز أكل لحم البقر في الأطراف الشاسعة من الهند وكيفية الزواج ودفن الموتى في بعص بلاد روسيا وغيرها ! ! ؛ فمن علم هذا لا يستبعد تحول الديانات الإلهية القديمة إلى الوثنية فاتباع الرسل وهداية الدين أساس كل مدنية لان الارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي . وها نحن أولاء نقرأ في كلام شيخ الفلاسفة الاجتماعيين في هذا العصرهربرت سبنسر ) أن آداب الأمم وفضائلها التي هي قوام مدنيتها مستندة كلها إلى الدين وقائمة على أساسه وأن بعض العلماء يحاولون تحويلها عن أساس