الشيخ محمد رشيد رضا
384
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع . ذلك أن الانسان ميال بطبعه إلى الراحة ، فعند ما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات التزهيد في الدنيا فإنه يرضى بها ميله إلى الراحة ثم إنه لا بد له من الكسب قيختار أقله سعيا وأخفه مؤنة وهو أخسه وأبعده عن الشرف . على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها بل إن خظباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروا الدنيا والآخرة . وذلك هو الخسران المبين ، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم عملهم بما يعظون به غيرهم والواجب على المسلم العارف بالاسلام أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة قال تعالى وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أما من فسروا السفهاء بأولاد المخاطبين ونسائهم معا أو بأحدهما وجعلوا إضافة أموال المخاطبين إليهم على حقيقتها ، فقالوا في معنى هذه الجملة : إذا امتنع عليكم أيها الناس أن تعطوا أموالكم ولدانكم ونساءكم خشية أن يبذروها ويتلفوها وهي قيامكم وعليها مدار معاشكم ، فعليكم أن تتولوا أنتم اصلاحها وتثميرها والانفاق عليهم منها في طعامهم وكسوتهم ، فهي في وجوب انفاق الرجل على زوجه وأولاده القاصرين الذين لا يحسنون الكسب ، وروى نحوه عن ابن عباس . ومن قالوا إن الكلام في السفهاء عامة وفي حفظ الأولياء لأموالهم قالوا : إن معناها يا أيها الأولياء الذين عهد إليكم حفظ أموال السفهاء وتثميرها حتى كأنها - بهذا التصرف وبارتباط مصالح أصحابها بمصالحكم وبتكافل الأمة والعشيرة ووحدتها - أموالكم يجب عليكم أن تنفقوا على السفهاء فتقدموا لهم كفايتهم من الطعام والثياب وغير ذلك . ومن قالوا إن لفظ السفهاء عام في أولاد المخاطبين ونسائهم واليتامى وغيرهم ولفظ أموالكم عام فيما هو للمخاطبين وهم جميع المكلفين وما هو للسفهاء ، وهو الذي اختاره ابن جرير - وقلنا إنه أحسن الأقوال - جعلوا معناها شاملا للمعنيين السابقين في الانفاق على من تجب على الرجل نفقته من مال نفسه والانفاق على من يتولى أمره من السفهاء ممن لا تجب عليه نفقته من ماله أي مال نفسه وإنما قال « وَارْزُقُوهُمْ فِيها » ولم يقل منها لأن المراد كما قال في الكشاف اجعلوها