الشيخ محمد رشيد رضا

380

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمال للسفهاء الذين في ولايتهم للتنبيه على أمور أحدها ) أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه ، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى إضاعة شئ من مال الولي ، فكأن ماله عين ماله‌ثانيها ) أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم وتصرفوا فيها تصرف الراشدين وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منهاثالثها ) التكافل في الأمة واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين ، كما قلناه في آيات أخرى . وذهب الجلال إلى أنه أضاف الأموال إليهم لأنها في أيديهم كأنه قال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم التي في أيديكم وهو غير ظاهر . وما قال من قال : إن السفهاء هنا هم أولاد المخاطبين الصغار إلا لحيرته في هذه الكاف في قوله « أَمْوالَكُمُ » وعدم ظهور النكتة له في إيثار ضمير الخطاب على ضمير الغيبة « وقوله لكم » أقول : وأجاب الرازي بجوابين للزمخشري ، أحدهما أنه أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه ، بل أنهم ملكوا التصرف فيه ، قال : ويكفى لحسن الإضافة أدنى سبب . وهو الذي جرى عليه الجلال . ثانيهما قوله : إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ونطيره قوله تعالى « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ » وقوله ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ * وقوله « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » وقوله « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ » ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ، وإنما كان بعضهم يقتل بعضا وكان الكل من نوع واحد ، فكذا ههنا المال شئ واحد ينتفع به نوع الانسان ويحتاج اليه ، فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم اه أقول : وهذا أوسع مما قاله الأستاذ الامام في الأمر الثالث ، وهو غير ظاهر في النوع كما هو ظاهر في قوم المخاطبين الذين اتحدت مصالحهم بمصالحهم . وكذلك لا يظهر في النظائر والشواهد التي أوردها ، فان الذين أمروا بقتل أنفسهم أي قتل بعضهم بعضا لم يؤمروا بذلك لاشتراكهم في النوع ، وهو كونهم من البشر ، وإنما أمروا بذلك لأنهم أمة لها ملة ترتبط بها مصالحهم فخالفوها فاستحقوا العقاب ليكافلهم باشتراكهم في الذنب وعدم التناهي عنه ؛ ولو أنهم قتلوا قوما آخرين من نوع