الشيخ محمد رشيد رضا
381
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البشر لما كانوا ممتثلين للأمر ، ولما قيل لهم « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ » والراجح في قوله تعالى ( 9 : 128 لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) انه خطاب للعرب الذين هم قوم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وان كانت البعثة عامة كما بينا ذلك في موضع آخر « * » ومن قال إنه خطاب لجميع الناس فوجهه انهم مشتركون في تكليفهم اتباعه وفي كونه رسولا إليهم فلا بد في إقامة الوحدة النوعية أو القومية أو الأهلية مقام الوحدة الشخصية من اشتراك أفراد النوع أو القوم أو الأهل في المعنى الذي سيق الكلام لأجله كما بينه الأستاذ الامام في توجيه اسناد ما فعله بنو إسرائيل في زمن موسى صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أبنائهم الذين كانوا في زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لتأثير أعمال السلف في الخلف بالوراثة والقدوة ولو جعلت الوحدة في الآية التي نفسرها بين الأولياء والسفهاء وحدة القرابة والكفالة التي هي أخص من الوحدة الأمية والقومية التي قال بها الأستاذ الامام لكان المعنى أظهر ، كما أن ما قاله هو أظهر مما قاله الامام الرازي . وذلك أن الاشتراك في المصلحة والمنفعة بين الأولياء والسفهاء في الأموال مطرد تظهر فيه الوحدة دائما ، ولكن الأستاذ الامام جعلها من قبيل وحدة الأمة وتكافلها إلحاقا لها بنظائرها الكثيرة في القرآن وقد علم من تفسير المفردات معنى جعل الأموال قياما للناس تقوم وتثبت بها منافعهم ومرافقهم ولا يمكن أن يوجد في الكلام ما يقوم مقام هذه الكلمة ويبلغ ما تصل اليه من البلاغة في الحث على الاقتصاد وبيان فائدته ومنفعته ، والتنفير عن الاسراف والتبذير الذي هو شأن السفهاء وبيان غائلته وسوء مغبته ، فكأنه قال : إن منافعكم ومرافقكم الخاصة ومصالحكم العامة لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالكم في أيدي الراشدين المقتصدين منكم الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها ولا يتجاوزون حدود المصلحة في إنفاق ما ينفقونه منها ، فإذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين الذين يتجاوزون الحدود المشروعة والمعقولة يتداعى ما كان من تلك المنافع سالما ويسقط ما كان من تلك المصالح قائما ، فهذا الدين هو دين الاقتصاد والاعتدال في الأموال كالأمور كلها . ولذلك وصف اللّه تعالى المؤمنين بقوله ( 25 : 67 وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) فهذه الآيات شارحة للفظ « قياما » في الآية
--> ( * ) راجع تفسير 4 : 164 ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ( ص 221 تفسير 4 )