الشيخ محمد رشيد رضا
36
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) فلا بد للمرء في حفظ نفسه ومن معه من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لا سيما أمهات المنكرات المفسدة للاجتماع كالكذب والخيانة والحسد والغش : فهذا ليس من فروض الكفاية التي يتواكل فيها الناس كصلاة الجنازة إذ لا يجب على كل من علم أن هنا ميتا ان ينتظر غسله ليصلى عليه بل يكفى ان يعلم أنه يوجد من يصلى عليه ولكنه إذا رأى منكر أوجب عليه أن ينهى عنه ولا ينتظر غيره لأنه تغير على رأيه أقول ويظهر تذييل الآية بقوله تعالى ( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) على هذا الوجه ما لا يظهر على الوجه الآتي فهو يقول إن القائمين بما ذكرهم الفائزون بما أعده اللّه من السعادة لأهل الحق دون سواهم ولا يصح أن يكون خاصا بالقائمين بفرض الكفاية وفسره الأستاذ الامام بالفلاح في الدنيا فالأمة التي تترك ذلك تكون من الخاسرين لا المفلحين قال الأستاذ الامام : بقي علينا بيان معنى الآية على القول بأن « من » للتبعيض وتقدير الكلام ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة ، فههنا فريضتان إحداهما على جميع المسلمين والثانية على الأمة التي يختارونها للدعوة . ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة وليس معناه الجماعة كما قيل وإلا لما اختير هذا اللفظ والصواب أن الأمة أخص من الجماعة فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص . والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها وإسعادها ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافا أرجعوها إلى الصواب . وقد كان المسلمون في الصدر الأول لا سيما زمن أبى بكر وعمر على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب - وهو أمير المؤمنين - وينهاه فيما يرى أنه الصواب .