الشيخ محمد رشيد رضا
330
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بذاتها وكل المواد الأخرى موجودة بها ويقرب من هذا قول الروحيين إن الروح هي حقيقة الانسان الثابتة وان قوام الجسد بها فهي الحافظة لوجوده والمنظمة لشؤونه الحيوية فإذا فارقته انحل وعاد إلى بسائطه ، وإنما يقال هذا باعتبار الأسباب والظواهر وإلى اللّه ترجع الأمور . وهذا المذهب الجديد في الكهربائية قريب من مذهب أهل وحدة الوجود من الصوفية وربما كان سلما موصلا اليه ؛ وسنعود إلى هذا المبحث فنبسط القول فيه على مذاهب أهل الفلسفة والعلوم الطبيعية لهذا العهد في موضع أليق به من هذا الموضع إن شاء اللّه تعالى أما قوله تعالى وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها فمعناه على الوجه الذي قررناه يظهر بطريق الاستخدام بحمل النفس على الجنس وإعادة الضمير عليه بمعنى أحد الزوجين أو بجعل العطف على محذوف يناسب ذلك كما قال الجمهور أي وحد تلك الحقيقة أولا ثم خلق لها زوجها من جنسها . ومعناه المراد عند الجمهور ان اللّه تعالى خلق لتلك النفس التي هي آدم زوجا منها وهي حواء ، قالوا إنه خلقها من ضلعه الأيسر وهو نائم وذلك ما صرح به في الفصل الثاني من سفر التكوين وورد في بعض الأحاديث ولولا ذلك لم يخطر على بال قارىء القرآن وهناك قول آخر اختاره أبو مسلم كما قال الرازي وهو أن معنى خلق منها زوجها خلقه من جنسها فكان مثلها فهو كقوله تعالى ( 30 : 21 وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) وقوله ( 16 : 17 وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) وقوله ( 42 : 11 فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ومن هذا القبيل قوله عز وجل ( 9 : 128 لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) وقوله ( 3 : 164 لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) ومثلهما في سورة البقرة وسورة الجمعة . فلا فرق بين عبارة الآية الآية التي نفسرها وعبارة هذه الآيات فالمعنى في الجميع واحد ومن ثبت عنده أن حواء خلقت من ضلع آدم فهو غير ملجا إلى إلصاق ذلك بالآية وجعله تفسير الها وإخراجها عن أسلوب أمثالها من الآيات