الشيخ محمد رشيد رضا
331
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذا وان في النفس الواحدة وجها آخر وهو أنها الأنثى ولذلك أنثها حيث وردت وذكر زوجها الذي خلق منها في آية الأعراف فقال « 7 : 189 لِيَسْكُنَ إِلَيْها » وعليه يظهر افتتاح السورة بها ووجه تسميتها بالنساء أكثر . وأصحاب هذا الرأي يقولون إنه من قبيل ما هو ثابت إلى اليوم عند العلماء من التوالد البكري وهو أن إناث بعض الحيوانات الدنيا تلد عدة بطون بدون تلقيح من الذكور . ولكن لا بد أن يكون قد سبق تلقيح لبعض أصولها . وخلق زوجها منها على هذا الوجه يحتمل ان يكون منها ذاتها وان يكون من جنسها . وثم وجه آخر قريب من هذا وهو أن النفس الواحدة كانت جامعة لأعضاء الذكورة والأنوثة كالدودة الوحيدة ثم ارتقت فصار أفرادها زوجين قال بهذا وذاك بعض الباحثين العصريين ومحل تحقيقه تفسير اية أخرى وذكر الزمخشري وجهين في عطف « وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها » على ما قبله أحدهما أنه معطوف على محذوف كأنه قيل من نفس واحدة أنشأها وابتدأها وخلق منها زوجها وإنما حذف لدلالة المعنى عليه والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها الخ وثانيهما أنه معطوف على خلقكم قال والمعنى خلقكم من نفس آدم لأنها من جملة الجنس المفرع منه وخلق منها أمكم حواء وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً غيركم من الأمم الفائتة للحصر . أقول : وفيه اكتفاء أي ونساء كثيرا وقال الأستاذ الامام نكر رجالا ونساء وأكد هذا بقوله كثيرا إشارة إلى كثرة الأنواع وإلى أنه ليس المراد بالتثنية في قوله « منهما » آدم وحواء بل كل زوجين وهو ينطبق على ما قلناه في تفسير الجملة السابقة ثم إن ذكر خلق الزوج بعد ذكر خلق الناس لا يقتضى تأخره عنه في الزمن فان العطف بالواو لا يفيد الترتيب ولا ينافي كون الكلام مرتبا متناسقا كما تطلب البلاغة فإنه جاء على أسلوب التفصيل بعد الاجمال : يقول إنه خلقكم من نفس واحدة فهذا إجمال فصله ببيان كونه خلق من جنس تلك النفس زوجا لها وجعل النسل من الزوجين كليهما فجميع سلائل البشر متولدة من زوجين ذكر وأنثى اه . ويرد على قوله أن الواو لا تفيد الترتيب آية الزمر ( 39 : 6 خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها ) وقد أجابوا عنه بما يذكر في محله ويرد على رأى أبى مسلم ورأى الجمهور أن بث الرجال والنساء من الزوجين معا