الشيخ محمد رشيد رضا

329

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الريح واو قلبت ياء لانكسار ما قبلها . فقد أطلقوا على هذا المعنى اللطيف الذي هو منشأ الادراك والحياة اسمين من أسماء ألطف الموجودات المدركة لهم ، ولو كان الواضعون لهذين الاسمين يعرفون ما يعرفه أهل هذا الزمان من الموجودات التي هي ألطف من الريح والنفس كالادروجين والكهرباء لا طلقوا لفظهما أو لفظا مشتقا منهما على منشأ الحياة والادراك وسببهما . ألا ترى أن سائقى المركبات الكهربائيه الترام ) وغيرهم يعبرون عن التيار الكهربائي الذي تسير به هذه المركبات بالنفس بفتح الفاء ) فالتسمية لا تعين حقيقة المسمى وإنما تدل على أن الواضعين تخيلوا منشأ الحياة شيئا في منتهى اللطافة والخفاء مع قوة تأثيره وعظم آثاره وإنما كان الفلاسفة هم الذين بحثوا كعادتهم عن حقيقة هذا الأمر ولا يزالون يبحثون . وقد قال تعالى ( 17 : 85 وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) أي إن قلة ما عندكم من العلم لا يمكنكم من معرفة حقيقة الروح . قال كثير من العلماء ان الآية تدل على أنه لا مطمع في معرفة حقيقة الروح ، وأقول إنها لا تدل على ذلك بل تدل على أنه إذا أوتى الناس من العلم أكثر مما أوتى أولئك السائلون جاز أن يعرفوها لم أر موضحا أو مقربا لمعنى الروح والنفس في الانسان كالتمثيل بالكهربائية فالمادى الذي يقول إنه لا روح الا هذا العرض الذي يسمى الحياة يشبه الجسد بالبطارية الكهربائية ويقول إنها بوضعها الخاص وبما يودع فيها من المواد تتولد فيها الكهربائية فإذا زال شئ من ذلك فقدت وكذلك تتولد الحياة في البدن بتركيب مزاجه بكيفية خاصة وبزوالها تزول . ويقول المعتقد استقلال الأرواح إن الجسد يشبه المركبة الكهربائية وشبهها من الآلات التي تدار بالكهرباء توجه إليها من المعمل المولد لها فإذا كانت الآلة على وضع خاص في أجزائها وأدواتها كانت مستعدة لقبول الكهربائية التي توجه إليها وأداء وظيفتها فيها وإن فقد منها بعض الأدوات الرئيسية أو اختل وضعها الخاص فارقتها الكهربائية ولم تعد تعمل بها على أنهم كانوا يظنون أن الكهرباء قوة تعرض المادة لا وجود لها في ذاتها فصاروا من عهد قريب يرجحون أنها هي أصل الموجودات كلها أي إنها موجودة