الشيخ محمد رشيد رضا

321

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في نفس المدينة بالتفصيل كل آية آية ، وإنما المراد أنه نزل في الزمن الذي كانت المدينة فيه هي عاصمة الاسلام ، وكان للمسلمين فيه قوة تمنعهم ونظام يجمع شملهم . وعلى هذا يكون حكم ما نزل بمكة عام الفتح أو عام حجة الوداع كحكم ما نزل في الحديبية وبدر وغير ذلك من المواضع التي كان يخرج إليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لغزو أو نسك على عزم العود إلى المدينة يغلب في السور المكية الايجاز في العبارة وإن تكرر ذكرها لما في التكرار من الفوائد لأن الذين خوطبوا بها أولاهم أبلغ العرب على الاطلاق وانما يتبارى البلغاء بالايجاز - ويغلب في معانيها تقرير كليات الدين والاحتجاج لها والنضال عنها ، وهي التوحيد والبعث وعمل الخير وترك الشر - ومعطم الحجاج فيها موجه إلى دحض الشرك وإقناع المشركين . وأما السور المدنية فحجاجها في الغالب مع أهل الكتاب والمنافقين ، وفيها تفصيل الأحكام الشخصية والمدنية لكثرة المسلمين المحتاجين إليها . فإذا فطنت لهذا تجلى لك أفن رأى من قال إن هذه السورة مكية ، ومن قال أيضا أن أوائلها نزلت في مكة ، فلا شئ من أحكامها كان مما يحتاج اليه في مكة قبل الهجرة افتتحت بعد الأمر بالنقوى بأحكام اليتامى والبيوت والأموال ومنها الميراث ومحرمات النكاح وحقوق الرجال على النساء والنساء على الرجال . ثم ذكر فيها كثير من أحكام القتال . وجاء فيها بين أحكام البيوت واحكام القتال حجاج لأهل الكتاب ، وفي أثناء أحكام القتال وآدابه شئ عن المنافقين ثم كانت أواخرها في محاجة أهل الكتاب إلا ثلاث آيات هن خاتمتها - وكل ذلك من شؤون الاسلام بعد الهجرة ومن وجوه الاتصال بينها وبين ما قبلها : أن هذه قد افتتحت بمثل ما اختتمت به تلك من الأمر بالتقوى وهو ما يسمى في البديع تشابه الأطراف وفي روح المعاني : ان هذا آكد وجوه المناسبات في ترتيب السورو منها ) محاجة أهل الكتاب اليهود والنصارى جميعا في كل منهما . ومنها ) ذكر شئ عن المنافقين في كل منهما وكونه في سياق الكلام عن القتال . ومنها ) ذكر أحكام القتال في كل منهما ومنها ) أن في هذه شيئا يتعلق بغزوة أحد التي فصلت وقائعها وحكمها وأحكامها في « تفسير النساء » « 21 رابع » « س 4 ج 4 »