الشيخ محمد رشيد رضا

319

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

البلاد وهي مداخلها على حدود المحاربين لأجل الدفاع عنها إذا هاجمها الأعداء فان هؤلاء يقيمون فيها ويقومون في أثناء ذلك بربط خيولهم وخدمتها وغير ذلك مما يحتاج اليه من الاستعداد وقال الأستاذ الامام في الوصية بالتقوى : يكثر اللّه تعالى من هذه الوصية ومع ذلك نرى الناس قد انصرفوا عنها بتة حتى صار التقى عند الناس هو الاهبل الذي لا يعقل مصلحته ولا مصلحة الناس . ولا شئ أشأم على التقوى من فهمها بهذا المعنى التقوى أن تقى نفسك من اللّه أي من غضبه وسخطه وعقوبته ولا يمكن هذا الا بعد معرفته ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه ولا يعرف هذا الا من فهم كتاب اللّه تعالى وعرف سنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وسيرة سلف الأمة الصالح مطالبا نفسه بالاهتداء بذلك كله . فمن صبر وصابر ورابط لأجل حماية الحق وأهله ونشر دعوته واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أعد نفسه بذلك للفلاح والفوز بالسعادة عند اللّه تعالى . وأقول : ان الفلاح هو الفوز والظفر بالبغية المقصودة من العمل وقد يكون ذلك خاصا بالدنيا كما في قوله تعالى حكاية عن فوعون ( 20 : 64 وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ) وقد يكون خاصا بالآخرة كقوله حكاية عن أهل الكهف ( 18 : 20 وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ) ويكون مشتركا بين الدارين ، وعندي أن أكثر وعد القرآن المؤمنين من هذا النوع . وإرادة الفلاح الدنيوي من الآية التي نفسرها ظاهرة فان الصبر ومصابرة الأعداء والمرابطة والتقوى كلها من أسباب الفوز على الأعداء في الدنيا كما أنها مع حسن النية وقصد إقامة الحق والعدل - الذي هو شأن المؤمن - من أسباب سعادة الآخرة وهذه الاعمال كلها اختياريه داخلة في مقدور الانسان . ولذلك أمر بها فعمله إذا هو سبب فلاحه فنسأل اللّه تعالى أن ينيلنا ما أرشدنا اليه وأقدرنا على أسبابه من سعادة الدارين .