الشيخ محمد رشيد رضا
318
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي في دار الرضوان التي نسبها الرب عز وجل اليه تشريفا لها ولأهلها . بخلاف الذين ليس لهم مثل هذه الصفات من أهل الكتاب المغرورين بأنفسهم وسلفهم عنادا حملهم على كتمان الحق الذي هو نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهم يعلمون أنه الحق فأولئك هم الذين ليس لهم في الآخوة إلا النار فان كل من بلغته دعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وظهرت له حقيتها كما ظهرت لهم وجحد وعاند كما جحدوا وعاندوا فلا يعتد بايمانه بالأنبياء السابقين وكتبهم ولا يكون إيمانه باللّه تعالى إيمانا صحيحا مقرونا بالخشية والخشوع ، ولذلك لا يخشاه في مكابرة الحق والاصرار على الباطل . ولا ينافي هذا ما في آية ( 2 : 62 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ) من الاطلاق لأن تلك الآية فيمن لم تبلغهم دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على حقيقتها ولم تظهر لهم حقيتها كالذين كانوا قبله إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب الخلق كلهم في وقت واحد قصير بما يكشف لهم من تأثير أعمالهم في نفوسهم بحيث يتمثل لهم فيها كل عمل سبق منهم كالصور المتحركة التي تمثل الوقائع في هذا العصر . وقد سبق تقرير ذلك ثم ختم سبحانه السورة بهذه الوصية للمؤمنين لأنها هي التي تتحقق بها استجابة ذلك الدعاء وإيفاء الوعد بالنصر في الدنيا وحسن الجزاء في الآخرة فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال الأستاذ الامام أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم واربطوا الخيل كما يربطونها استعدادا للجهاد . أقول : فالمصابرة والمرابطة وهي الرباط بمعنى مباراة الأعداء ومغالبتهم في الصبر وفي ربط الخيل كما قال ( 8 : 60 وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) على الأصل الذي قرره الاسلام من مقاتلتهم بمثل ما يقاتلوننا به فيدخل في ذلك مباراتهم في هذا العصر بعمل البنادق والمدانع والسفن والآلات البحرية والبرية والهوائية ، وغير ذلك من الفنون والعدد العسكرية ، ويتوقف ذلك كله على البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية ، فهي واجبة على المسلمين في هذا العصر لأن الواجب من الاستعداد العسكري لا يتم إلا بها . وقد أطلق لفظ المرابطة عند المسلمين على الإقامة في ثغور