الشيخ محمد رشيد رضا
317
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من أهل الكتاب كيف لا يحفلون بذلك المتاع الدنيوي . بل يؤثرون عليه ما عند اللّه تعالى . فهذا من باب المثل والأسوة للمسلمين . أقول : وصفهم بخمس صفات . إحداها ) الايمان باللّه يعنى الايمان الصحيح الذي لا تشوبه نزغات الشرك ولا يفارقه الاذعان الباعث على العمل ، لا كمن قال فيهم ( 2 : 8 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ولا من قال فيهم ( 12 : 106 وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) ثانيها ) الايمان بما أنزل إلى المسلمين وهو ما أوحاه اللّه إلى نبيهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقدمه على ما بعده لأنه العمدة الذي عليه العمل وله الهيمنة والحكم الفصل في الخلاف لثبوته باليقين ؛ وعدم طروء الضياع عليه والتحريف . ثالثها ) ما أنزل إليهم وهو ما أوحاه اللّه تعالى إلى أنبيائهم . ولا ينافي ذلك ضياع ونسيان بعضه وطروء التحريف بالترجمة والنقل بالمعنى على البعض الآخر فان لمراد هو الايمان به إجمالا واتباع ما أرشد اليه القرآن فيه تفصيلا ، والقرآن هو العمدة فلا يعتد بايمان من خالفه بعد العلم به على ما سيأتي قريبا . وقد تقدم بيان حكم القرآن في التوراة والإنجيل في تفسير الآية الأولى من هذه السورة فراجعهص 155 - 159 ج 3 تفسير ) رابعها ) الخشوع وهو ثمرة الايمان الصحيح الذي يعين على اتباع ما يقتضيه الايمان من العمل . فالخشوع أثر خشية اللّه تعالى في القلب تفيض على الجوارح والمشاعر فيخشع البصريا لسكون والانكسار ، ويخشع الصوت بالمخافتة والتهدج ، كما يخشع غيرهما . خامسها ) وهي أثر لما قبله عدم اشتراء شئ من متاع الدنيا بآيات اللّه كما هو فاش في أصحاب الايمان التقليدى الجنسي من علماء ملتهم ويقع مثله من أمثالهم في سائر الملل ، وقد تقدم بيانه في هذه السورة وما قبلها . قال تعالى أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي أولئك المتصفون بما ذكر من الصفات لهم أجرهم اللائق بهم عند ربهم الذي رباهم بنعمه وهداهم إلى الحق