الشيخ محمد رشيد رضا

298

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقال الأستاذ الامام هنا : السماوات ما علاك مما تراه فوقك ، والأرض ما تعيش عليه ، والخلق التقدير والترتيب لا الايجاد من العدم ، كما اصطلح عليه في علم الكلام ، فذلك لا يتضمن معنى النظام والاتقان وهو ما هي عليه في الواقع ونفس الأمر . وبعد ما ذكر خلق السماوات والأرض لفت العقول إلى أمر مما يكون في الأرض وهو اختلاف الليل والنهار ، فان هذا الاختلاف قائم بنظام في طول الليل والنهار وقصرهما وتعاقبهما ، وهذا امر عظيم سواء كان سببه ما كانوا يعتقدون من أنه حادث من حركة الشمس أو ما يعتقدون الآن من أن سببه حركة الأرض تحت الشمس . ومن الحكم في ذلك ما نراه في أجسامنا وعقولنا من تأثير حرارة الشمس ورطوبة الليل وكذا في تربية الحيوان والنبات وغير ذلك ولو كان الليل سرمدا والنهار سرمدا لفاتت . وهذه الآيات تظهر لكل أحد على قدر علمه وفهمه وجودة فكره فأما علماء الهيئة فإنهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل . وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعة والأجرام الرفيعة وما فيها من الحسن والروعة . وخص أولى الألباب بالذكر مع أن كل الناس أولى ألباب لأن من اللب ما لا فائدة فيه كلب الجوز ونحوه إذا كان عفنا . وكذا نفسد ألباب بعض الناس وتعفن ، فهي لا تهتدى إلى الاستفادة من آيات اللّه في خلق السماوات والأرض وغيرهما . وإنما سمى العقل لبالأن اللب هو محل الحياة من الشئ وخاصته وفائدته ، وإنما حياة الانسان الخاصة به هي حياته العقلية وكل عقل متمكن من الاستفادة من النظر في هذه الآيات والاستدلال بها على قدرة اللّه وحكمته ولكن بعضهم لا ينظر ولا يتفكر وإنما العقل الذي ينظر ويستفيد ويهتدى هو الذي وصف أصحابه بقوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد به ذكر القلوب وهو إحضار اللّه تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر . فكأين من عالم يقضى ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس ويعرف من نظامها وسننها