الشيخ محمد رشيد رضا
299
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وشرائعها ما لا يعرف الناس ، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية ثم إن ذكر اللّه تعالى لا يكفى في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكر فيها فلا بد من الجمع بين الذكر والفكر فقد يذكر المؤمن باللّه ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته ولذلك قال وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أقول : قد يتفكر المرء في عجائب السماوات والأرض وأسرار ما فيهما من الاتقان والابداع والمنافع الدالة على العلم المحيط والحكمة البالغة والنعم السابغة والقدرة التامة وهو غافل عن العليم الحكيم القادر الرحيم الذي خلق ذلك في أبدع نظام ، وكم من ناظر إلى صنعة بديعة لا يخطر في باله صانعها اشتغالا بها عنه ، فالذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض هم غافلون عن خالقهما ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة اللّه عز وجل فمثلهم كما قال الأستاذ الامام : كمثل من يطبخ طعاما شهيا يغذى به جسده ولكنه لا يرقى به عقله ، يعنى ان الفكر وحده وإن كان مفيدا لا تكون فائدته نافعة في الآخرة إلا بالذكر ، والذكر وإن أفاد في الدنيا والآخرة لا تكمل فائدته إلا بالفكر ، فيا طوبى لمن جمع بين الأمرين واستمتع بهاتين اللذتين ؛ فكان من الذين أوتوا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ؛ ونجوا من عذاب النار في الآخرة ، فتلك النعمة التي لا تفضلها نعمة ، واللذة التي لا تعلوها لذة ، لأنها هي التي يهون معها كل كرب ، ويسلس كل صعب ، وتعظم كل نعمة ، وتتضاءل كل نقمة ، تلك اللذة التي تتجلى مع الذكر في كل شئ فيكون في عين ناظره جميلا ، وفي كل صوت فيكون في سمع سامعه مطربا فلسان حال الذاكر ، ينشد في هذا التجلي قول الشاعر الذاكر : من كل معنى لطيف اجتلى قدحا * وكل حادثة في الكون تطربنى فإذا تحول التجلي عن جمال الأكوان ، وتفكر الذاكر في تقصيره من حيث هو انسان ، عن شكر المنعم عليه بكل شئ يتمتع به وعن القيام بما يصل إليه استعداده من معرفته استولى عليه سلطان الجلال فتعلو همته في طلب الكمال فينطلق