الشيخ محمد رشيد رضا

297

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أن يرسل إلى الناس رسولا من أنفسهم ، ولكنه جعل الآية مطلقة موجهة إلى أولى الألباب ليطلق النظر لكل عاقل . وقال الرازي : اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح من الاشتغال بالخلق ، إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما طال الكلام في تقريه الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال ، فذكر هذه الآية . اه أقول : وقد بينا في وجه اتصال هذه السورة بما قبلها عند الابتداء بتفسيرها أن كلا منهما مفتتحة بذكر الكتاب وشؤون الناس فيه ومختتمة بالثناء على اللّه عز وجل ودعائه وقد ذكروا سببا لنزول هذه الآيات على عدم تعلقها بالحوادث ، فقد أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال « أتت قريش اليهود ، فقالوا : بم جاءكم موسى من الآيات ؟ فقالوا : عصاه ويده بيضاء للناظرين ، وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى ؟ قالوا كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ، فدعا ربه فنزلت هذه الآية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ فليتفكروا فيها . اه من لباب التقول . وأنت لا ترى المناسبة قوية بين الاقتراح وبين الآية إلا من حيث إن مراد القرآن الاستدلال بآيات اللّه في الكائنات على حقية ما يدعو اليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من عبادة اللّه وحده دون الخوارق والآيات الكونية . وقد ورد الرد على هؤلاء المقترحين في كثير من السور المكية . وسيأتي تفسيرها في مواضعه إن شاء اللّه تعالى . وقد تقدم تفسير ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات على وحدانية اللّه تعالى بوحدة النظام في ذلك ، وعلى رحمته بما فيها من المنافع والمرافق للعباد ، فليراجع في تفسير آية 2 : 164 إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ الخ ص 59 ج 2 تفسير )