الشيخ محمد رشيد رضا
293
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويزنى ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف اللّه قال « لا ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلى وهو مع ذلك يخاف اللّه ان لا يقبل منه » فهؤلاء هم الذين قال فيهم بعد ما تقدم ( 61 أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) بخلاف الذين يفرحون بما أتوا من عمل وما آتوا من صدقة فرح عجب وخيلاء فإنه يغلب عليهم الرياء وحب الثناء والسمعة فيكسلون عن العمل ولا يواظبون عليه . هذا شأن العمل في الدين ومثله العمل في الدنيا وللدنيا كما يفيدنا البحث في أحوال الأمم فان الذين استولى عليهم الغرور يفرحون ويبطرون بكل عمل يعملونه ويرون انه منتهى الكمال فلا تنشط هممهم إلى طلب المزيد والمسارعة في الخيرات ولا يقبلون الانتقاد على التقصير . حدثني الأستاذ الإمام قال حدثني عالم ألماتى لقيته في السفينة في احدى سياحاتى قال : انه لا يوجد عندنا عمل من الاعمال نحن راضون به ومعتقدون أنه لا يقبل الترقي والاتقان ، بل عندنا جمعيات تبحث في ترقية كل شئ وتحسينه من الإبرة إلى أعظم الآلات وابدع المخترعات . مثال ذلك البندقية يبحثون فيها هل يمكن أن تكون أخف وزنا أو أبعد رميا أو أقل نفقة الخ ما قال . فإذا تدبرت ما قلناه في هاتين الصفتين الذميمتين : فرح البطر والغرور والفخر بالاعمال ، الذي يدعو إلى الكسل والاهمال ، وحب المحمدة الباطلة والقناعة بالثناء الكاذب إذا تدبرت هذا فقهت سر الوعيد الشديد بتعذيب الأمة المتصفة بهما مرتين واحدة في الدنيا وواحدة في الآخرة وهو المراد بقوله عز وجل « فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ » الخ . أي لا تظن يا محمد أو أيها المخاطب أنهم بمنجاة من العذاب الدنيوي أي متلبسون بالفوز والنجاة منه وهو العذاب الذي يصيب الأمم التي فسدت أخلاقها وساءت أعمالها وكابرت الحق والعدل ، وألفت الفساد والظلم ، وهو على قسمين . عذاب هو أثر طبيعي اجتماعي للحال التي يكون عليها المبطلون بحسب سنة اللّه في الاجتماع البشرى وهو خذلان أهل الباطل والافساد وانكسارهم وذهاب استقلالهم بنصر أهل الحق والعدل عليهم وتمكينهم من رقابهم وديارهم وأموالهم ليحل الاصلاح محل الافساد ؛ والعدل مكان الظلم ( 11 : 102 وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ