الشيخ محمد رشيد رضا
294
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) - وعذاب لا يكون أثرا طبيعيا بل يسمى سخطا سماويا كالزلزال والخسف والطوفان وغير ذلك من الجوائج المدمرة التي نزلت ببعض أقوام الأنبياء الذين كفروا بهم وكذبوهم وآذوهم فكان اللّه يوفق بين أسباب ذلك العذاب المعتادة وأقدارها فينزلها بالقوم عند اشتداد عتوهم وإيذائهم لرسوله فيكونون من الهالكين وسيأتي بيان ذلك في سورة الأعراف ونحوها إن أحيانا اللّه تعالى وأمدنا بتوفيقه فان قلت : ان ما قررته يشمل استعلاء بعض الأمم الشمالية ، على كثير من ممالك المسلمين الجنوبية ، فهل كان أولئك الشماليون على الحق والصلاح ، وهؤلاء الجنوبيون على الباطل والفساد ؟ أقل : نعم الأمر كذلك فلو لا أنهم يفضلونهم أخلاقا وأعمالا وعدلا وإصلاحا واتباعا لسنن اللّه في نظام الاجتماع والسياسة لما سلطوا عليهم ( 11 : 117 وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) ولكنه يهلكها وأهلها مفسدون في الأرض كما ثبت في آيات كثيرة . والايمان قد يكون من جملة أسباب النصر كما تقدم في غير ما موضع من التفسير « 1 » ولكن لذلك شروطا وسننا بينها اللّه في لم كتابه وتقدم تفسير بعض الآيات فيها ، فتطلب من مواضعها « 2 » ومنها تتذكر وتعلم أسباب ما عليه المسلمون الآن فان اللّه ما فرط في الكتاب من شئ . ثم قال وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي في الآخرة فان فساد أخلاقهم الفاسدة وفرحهم وبطرهم وصغارهم الذي زين لهم حب الحمد الكاذب بالباطل جعل أرواحهم مظلمة دنسة فهي التي تهبط بهم إلى الهاوية حيث يلاقون ذلك العذاب المؤلم . ومن مباحث اللفظ في الآية : أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن قوله تعالى « فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ » تأكيد لقوله « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ » كما هو معهود في الكلام العربي من إعادة الفعل إذا طال الفصل بينه وبين معموله . قال الزجاج : ان العرب إذا أطالت القصة تعيد « حسبت » وما أشبهها إعلاما بأن الذي جرى متصل بالأول ، فتقول : لا تظنن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا فلا بظنه صادقا ، فيفيد لا تظنن توكيدا وتوضيحا . والفاء زائدة كما في قوله * فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى * ونقل الأستاذ
--> ( 1 ) راجع ص 82 و 174 و 321 و 486 من ج 2 من التفسير وص 151 و 535 من ج 3 ( 2 ) راجع سنة اللّه في النصر وكلمة نصر في فهارس التفسير والمنار