الشيخ محمد رشيد رضا

292

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يقابله عندهم المبالغة في الحزن في المصيبة إلى أن يقع المصاب في اليأس والكفر وقد بين تعالى حال الفريقين بقوله ( 11 : 9 وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ 10 وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ 11 إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) أي لأنهم هم الذين رباهم اللّه تعالى بحوادث الزمان وغيره مع ارشادهم إلى وجه الاستفادة من ذلك كما تقدم بيانه مفصلا في سياق تفسير الآيات التي أنزلت في غزوة أحد واليه أشير بقوله بعد ذكر المصائب لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وفي معنى الآيتين مع زيادة في الفائدة آية سورة الروم ( 30 : 26 وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ) . ولما كان هذا هو شأن أصحاب هذا النوع من الفرح - فرح البطر والغرور - كان مما يتبع ذلك تبع المعلول للعلة والمسبب للسبب ترك الشكر على النعمة باستعمالها فيما ينفع الناس بل يستعملونها فيما يسرهم ويمتعهم بلذاتهم ونعيمهم فيكون ذلك مهلكة للأمة كما قال تعالى في أقوام هذا شأنهم ( 6 : 44 فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ) ولا يعارض ذلك قوله تعالى ( 10 : 58 قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) لأن السرور بالنعمة مع تذكر أنها فضل من اللّه لا يحدث بطرا ولا غرورا وإنما يحدث شكرا وإحسانا في العمل . فإذا فقهت هذا كله علمت أن الذين يفرحون بأعمالهم فرح بطر واختيال وغرور يكونون مستحقين للوعيد بالعذب وإن كانت أعمالهم التي بطروا بها وفخروا واغتروا بها وكفروا من الاعمال الحسنة لان بعض الاعمال الحسنة قد تكون لها عواقب رديئة وبعض الاعمال السيئة قد تكون لها عاقبة حسنة وفي هذا قال ابن عطاء في حكمه « رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا » ويؤيد هذا المعنى الذي حققته قوله تعالى في صفات الأخيار ( 23 : 60 وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ) وما روى من الحديث المرفوع في تفسيره ففي حديث عائشة عند أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه وغيرهم قالت : يا رسول اللّه قول اللّه « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » أهو الرجل يسرق