الشيخ محمد رشيد رضا
291
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) نعم إن هناك مرتبة أعلى من مرتبة من يعمل الحسنات ليحمد عليها وهي مرتبة من يعملها حبا بالخير لذاته وتقربا به إلى اللّه تعالى . على أن المدج بالحق لا يخلو في بعض الأحوال من ضرر في الممدوح كالغرور والعجب وفتور الهمة عن الثبات والمواظبة على العمل الذي حمد عليه وهذا هو سبب النهى عن المدح في حديث أبي بكرة عند أحمد والشيخين وغيرهم قال : إن رجلا ذكر عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ويحك - وفي رواية ويلك - قطعت عنق صاحبك - يقوله مرتين - إن كان أحدكم مادحا لأخيه فليقل أحسبه كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك - وحسيبه اللّه ، ولا يزكى على اللّه أحدا » وفي رواية عند الطبراني في المعجم الكبير زيادة « واللّه لو سمعها ما أفلح » نعم يحتمل أن تكون عبارة ذلك المادح مما يستنكر من قبح الاطراء وأن يكون ذلك الممدوح بها ممن يعلم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استعداده للغرور بما يقال فيه فوقائع الأحوال موضع للاحتمالات لما فيها من الاجمال كما هو مشهور ولكن قل من يسلم من الاغترار بالمدح لا سيما إذا كان اطراء ، وقلما يكون الاطراء حقا وقلما يلتزم المطرون الحق ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب » رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث المقداد بن الأسود وبعضهم وغيرهم عن أنس وعبد اللّه بن عمرو وأبي هريرة . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد اللّه ورسوله » رواه البخاري من حديث ابن عمر . ثم أعود إلى المسألة الأولى فأقول : إن الفرح بالعمل من شأن المغرورين وليس المراد به هنا ارتياح نفس العامل وانبساطها لما يأتيه من العمل الذي يرى أنه محمود كما فهم مروان ، وإنما هو فرح البطر والغرور الذي يتبعه الخيلاء والفخر كما أشرنا إلى ذلك ، وهو ما نبه عليه القرآن في فائدة المصائب تصيب المؤمنين بقوله عز وجل ( 57 : 23 لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) ومنه قوله تعالى ( 28 : 76 إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) وهذا الافراط في الفرح بالنعمة الذي يكون من الضعفاء