الشيخ محمد رشيد رضا

290

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا ما أحببت التذكير به في تبيين العبرة بالآية في سياسة الأمة وعمل رؤساء الدين والدنيا الذين يفرحون بأعمالهم وإن ساءت ويحبون أن يحمدوا بالشعريات الكاذبة التي راجت سوقها في هذا العصر بالصحف المنتشرة المعروفة بالجرائد فالكثير منها قد أتقن هذه الجريمة - مدح السلاطين والامراء والرؤساء بما لم يفعلوا - حتى اطمأنوا باعتقاد السواد الأعظم ان سيئاتهم حسنات ؛ وحتى بطلت فائدة المحمدة الصحيحة وحب الثناء بالحق والشكر على العمل فانهد بذهاب هذه الفائدة ركن من أركان التربية والاصلاح القومي والشخصي ، فان حب الحمد غريزة من أقوى غرائز البشر التي تنهض بالهمم وتحفز العزائم إلى الاعمال العظيمة النافعة رغبة في اقتطاف ثمار الثناء عليها ؛ فإذا كان الانسان يدرك هذا الثناء الذي يستحقه العاملون بدون أن يكلف نفسه عناء العمل للأمة ونفع الناس بكذب الجرائد في حمده والثناء عليه بالباطل قعدت همته ووهت عزيمته وأخلد إلى الراحة أو اشتغل بالعمل للذته فقط . فإذا كان العالم الذي ينتمى إلى الامراء والسلاطين وينال الحظوة عندهم لا يوثق بعلمه ولا بدينه - كما تقدم بيانه والاستدلال عليه بالأحاديث والآثار - فأصحاب الجرائد أولى بعدم الثقة بأخبارهم وآرائهم إذا كانوا كذلك . وأنى للعوام المساكين فهم هذا وادراك سره والجهل غالب ؛ والغش رائج والناصح المخلص نادر ؟ وقد صارت حاجة الملوك والأمراء المستبدين إلى حمد الجرائد توازى حاجتهم إلى حمد رجال الدين في غش الأمة أو تزيد عليها ولذلك يغدقون عليهم النعم ويقربونهم ويحلونهم بالرتب وشارات الشرف التي تعرف بالاوسمة أو النياشين . كما يحرص على إرضائهم كل محبي الشهرة بالباطل من الأغنياء والوجهاء لولا أن حب المحمدة بالحق على العمل النافع من غرائز الفطرة التي يستعان بها على التربية العالية لما قيد اللّه الوعيد على حب الحمد بقوله « بِما لَمْ يَفْعَلُوا » فبهذا القيد يدل على أن حب الثناء على العمل النافع غير مذموم ولا متوعد عليه وهذا هو الذي يليق بدين الفطرة بل جاء في الكتاب الحكيم ما يدل على مدح هذه الغريزة كقوله تعالى لنبيه ( 94 : 4 وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) وقوله في القرآن ( 43 : 44 وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ