الشيخ محمد رشيد رضا

27

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتنهون عن المنكر . قال الأستاذ الامام : والظاهر أن الكلام على حد « ليكن لي منك صديق » فالأمر عام ، ويدل على العموم قوله تعالى ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ . وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) فان التواصى هو الامر والنهى ، وقوله عز وجل ( 5 : 78 لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ 79 كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) وما قص اللّه علينا شيئا من أخبار الأمم السالفة إلا لنعتبر به . وقد أشار المفسر - الجلال - إلى الاعتراض الذي يرد على القول بالعموم وهو أنه يشترط فيمن يأمر وينهى أن يكون عالما بالمعروف الذي يأمر به والمنكر الذي ينهى عنه . وفي الناس جاهلون لا يعرفون الاحكام . ولكن هذا الكلام لا ينطبق على ما يجب أن يكون عليه المسلم من العلم . فان المفروض الذي ينبغي أن يحمل عليه حطاب التنزيل هو أن المسلم لا يجهل ما يجب عليه وهو مأمور بالعلم والتفرقة بين المعروف والمنكر ، على أن المعروف عند إطلاقه يراد به ما عرفته العقول والطباع السليمة والمنكر ضده ، وهو ما أنكرته العقول والطباع السليمة . ولا يلزم لمعرفة هذا قراءة حاشية ابن عابدين على الدر ، ولا فتح القدير ولا المبسوط . وإنما المرشد إليه - مع سلامة الفطرة - كتاب اللّه وسنة رسوله المنقولة بالتواتر والعمل ، وهو ما لا يسع أحدا جهله ولا يكون المسلم مسلما إلا به . فالذين منعوا عموم الامر بالمعروف والنهى عن المنكر جوزوا أن يكون المسلم جاهلا لا يعرف الخير من الشر ، ولا بميز بين المعروف والمنكر ، وهو لا يجوز دينا ثم إن هذه الدعوة إلى الخير والامر والنهى لها مراتب . فالمرتبة الأولى : هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير وأن يشاركوهم فيما هم عليه من النور والهدى ، وهو الذي يتجه به قول المفسر : إن المراد بالخير : الاسلام . وقد فسرنا الاسلام من قبل بأنه دين اللّه على لسان جميع الأنبياء لجميع الأمم ، وهو الاخلاص للّه تعالى والرجوع عن الهوى إلى حكمه . وهذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطا وشهداء على الناس كما تقدم في سورة البقرة ، وخير أمة أخرجت للناس كما سيأتي بعد آيات مقيدا بكوننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، وبحكم قوله في وصف المؤمنين