الشيخ محمد رشيد رضا
28
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذين أذن لهم بالقتال ( 22 : 41 الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ) فالواجب دعوة الناس إلى الاسلام أولا . فان أجابوا فالواجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر - قال : وأما كون هذا حفاظا للوحدة ومانعا من الفرقة فهو أن الأمة إذا اجتمعت على هذا المقصد العالي الشريف وهو أن تكون مسيطرة على الأمم كلها ومربية لها ومهدبة لنفوسها فلا شك أن جميع الأهواء الشخصية تتلاشى من بينهم ، فإذا عرض الحسد والبغى لأحد من أفرادهم تذكروا وظيفتهم العالية الشريفة التي لا تتم إلا بالتعاون والاجتماع ، فأزالت الذكرى ما عرض وشفت النفوس قبل تمكن المرض والمرتبة الثانية في الدعوة والامر والنهى : هي دعوة المسلمين بعضهم بعضا إلى الخير وتآمرهم فيما بينهم بالمعروف وتناهيهم عن المنكر . والعموم فيها ظاهر أيضا . وله طريقان ، أحدهما : الدعوة العامة الكلية - قال : كهذا الدرس - ببيان طرق الخير وتطبيق ذلك على أحوال الناس ، وضرب الأمثال المؤثرة في النفوس ، التي يأخذ كل سامع منها بحسب حاله . وإنما يقوم على هذا الطريق خواص الأمة العارفون بأسرار الاحكام وحكمة الدين وفقهه ، وهم المشار إليهم بقوله تعالى ( 9 : 122 فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ومن مزايا هؤلاء : تطبيق أحكام اللّه تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان . فهم يأخذون من الامر العام بالدعوة والامر والنهى على مقدار علمهم . والطريق الثاني : الدعوة الجزئية الخاصة ، وهي ما يكون بين الافراد بعضهم مع بعض ، ويستوى فيه العالم والجاهل ، وهو ما يكون بين المتعارفين من الدلالة على الخير والحث عليه عند عروضه ، والنهى عن الشر والتحذير منه . وكل ذلك من التواصى بالحق والتواصى بالصبر . وكل واحد يأخذ من الفريضة العامة بقدره أقول : أما كون هذه المرتبة حفاظا للوحدة وسياجا دون الفرقة فهو ظاهر على الطريق الأول ، فلو كان أهل البصيرة والفقه الحقيقي في الدين يعممون دعوتهم وإرشادهم في الأمة ويواصلونها لكانوا موارد لحياتها ومعاقد لرابطة وحدتها . وكذلك