الشيخ محمد رشيد رضا
281
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فان الأمر وإن كان هناك للوجوب لأن الأصل فيه ذلك على قول جمهور الأصوليين وأكد بقوله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إلا أن التأكيد فيه دون تأكيد أخذ الميثاق هنا وما فيه من معنى القسم ثم ما يليه من تصوير ترك الامتثال بنبذ الكتاب وبيعه بثمن قليل ومن الذم والوعيد على ذلك إذ قال : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ النبذ الطرح وقد جرت كلمة نبده وراء ظهره مجرى المثل في ترك الشئ وعدم المبالاة به والاهتمام بشأنه ، كما يقال في مقابل ذلك « جعله نصب عينيه - أو - ألقاه بين عينيه » أي اهتم به أشد الاهتمام بحيث كأنه يراه في كل وقت فلا ينساه ولا يغفل عنه ، وفيه تنبيه إل كون هذا هو الواجب الذي كان عليهم أن يقوموا به فيجعلوا الكتاب إماما لهم ونصب أعينهم لا شيئا مهملا ملقى وراء الظهر لا ينظر اليه ولا يفكر في شأنه وكذلك كان أهل الكتابمنهم ) الذين يحملونه كما يحمل الحمار الأسفار فلا يستفيد مما فيها شيئاو منهم ) الذين يحرفونه عن مواضعه ومنهم ) الذين لا يعلمون منه إلا أماني يتمنونها أي قراآت يقرؤونها أو تشهيات يتشهونها وتقدم بيان ذلك في سورة البقرة وسيأتي في مواضع أخرى . ثم بين تعالى جريمة أخرى من جرائمهم في الكتاب فقال وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي أخذوا بدله فائدة دنيوية قليلة لا توازى عشر معشار فوائد بيان الكتاب والعمل به فكانوا مغبونين في هذا البيع والشراء . وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرؤوسين وعكسه كما تقدم في سورة البقرة وفي هذه السورة ومنه ما يتقرب به العلماء إلى الحكام وأجور الفتاوى الباطلة وسيأتي بعض التفصيل فيه والعبرة به وقد أرجع بعضهم كالزمخشرى الضمير في قوله « فنبذوه » وقوله « اشْتَرَوْا بِهِ » إلى الميثاق . وجرى مثل ذلك على لسان الأستاذ الامام في الدرس ونقله عنه بعض الطلاب ، ولعله سهو ، فان هذه الآية بمعنى آية البقرة ( 2 : 173 إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ) الآية وهي صريحة في الكتاب . فيراجع تفسيرها في الجزء الثاني وفي معناه