الشيخ محمد رشيد رضا
280
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شيع وذهبت في الخلاف مذاهب في الأصول والفروع وصار كل فريق ينصر مذهبه ويحتج بالكتاب يأخذ ما واففه منه ويؤول ما خالفه واتبعهم الناس على ذلك ورضى كل فريق من المسلمين بكتب طائفة من أولئك المختلفين حتى جاءت أزمنة ترك فيها الجميع التحاكم إلى القرآن وتأييد ما يذهبون اليه به وتأويل ما عداهأقول بل وصلنا إلى زمن يحرمون فيه ذلك ولا يرون فيه للقرآن فائدة تتعلق بمعناه بل كل فائدته عندهم أنه يتبرك به ويتعبد بألفاظه ويستشفى به من أمراض الجسد دون أمراض القلب والروح ) حتى صرنا نتمنى لو دامت تلك الخلافات فإنها أهون من هجر القرآن بتاتا فان الناس قد وقعوا في اضطراب من أمر دينهم حتى صاروا يحسبون ما ليس بدين دينا وحتى إن العلماء يرون المنكرات فلا ينكرونها بل كثيرا ما يقعون فيها أو يتأولون لفاعليها ولو بينوا للناس كتاب اللّه لقبلوه وأقول : ان الذين تصدوا لتبيين القرآن في الكتب وهم المفسرون لم يكن تبيينهم كاملا كما ينبغي وكان جمال الدين يقول « ان القرآن لا يزال بكرا » وان لي كلمة ما زالت أقولها وهي أن سبب تقصير المفسرين الذين وصلت الينا كتبهم هو عدم الاستقلال التام في الفهم ، وما كان ذلك لبلادة ؛ وإنما جاء من أمور أهمها الافتتان بالروايات الكثيرة وتغلب الاصطلاحات الفنية في الكلام والأصول والفقه وغير ذلك ومحاولة نصر المذاهب وتأييدها « * » ثم أقول : ان البيان أو التبيين على نوعين أحدهما تبيينه لغير المؤمنين به لأجل دعوتهم إليه وثانيهما تبيينه للمؤمنين به لأجل إرشادهم وهدايتهم بما أنزل إليهم من ربهم وكل من النوعين واجب حتم لا هوادة فيه ولا يشترط فيه ما اشترطه بعض الفقهاء من الاستفتاء والسؤال إذ زعموا أن العالم لا يجب عليه التصدي لدعوة الناس وتعليمهم الا إذا سألوه ذلك والقرآن حجة عليهم وهذه الآية أكد في الايجاب من قوله تعالى في هذه السورة ( 4 : 104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الذي تقدم تفسيره في هذا الجزء
--> ( * ) سنبين ذلك بالتفصيل في الكتاب الذي نجعله مقدمة التفسير ان شاء اللّه تعالى .