الشيخ محمد رشيد رضا

274

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأستاذ الامام : يصح اتصال هذه الآية بما قبلها من قوله تعالى وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآيات فان فيها ذكر البخل بالمال وذكر حال اليهود وهذه تذكر البلاء بالمال وما سيلاقى المؤمنون من أولئك اليهود وغيرهم . ويصح أن يكون على ما قاله بعضهم متصلا بما هو قبل ذلك من أول واقعة أحد إلى هنا ، كأنه يقول : إن ما وقع من الابتلاء في الأنفس والأموال والطعن في تلك الواقعة ليس آخر الابتلاء بل لا بد أن تبلوا بعد ذلك بكل هذه الضروب منه وتجرى فيكم سنته تعالى في خلقه ، فلا تظنوا أنكم جلستم على عرش العزة واعتصمتم بالمنعة وأمنتم حوادث الكون فإنه لا بد أن يعاملكم اللّه تعالى ، كما يعامل الأمم معاملة المختبر المبتلى لا ليعلم ما لم يكن يعلم من أمركم فهو علام الغيوب ، بل ليميز الخبيث من الطيب من بعد ، كما ماز الكثيرين في واقعة أحد . قال : والابتلاء في الأموال يفسر بفرض الصدقات وبالبذل في سبيل اللّه - وهو كل ما يوصل إلى الخير - وبالجوائح والآفات وهذا الجمع أولى مما ذهب اليه بعضهم من تخصيصه بالأول وبعضهم من تخصيصه بالثاني . والابتلاء في الأنفس يكون بتكليف بذلها في سبيل اللّه وبموت من يحب الانسان من الأهل والأصدقاءأقول : وكذا الابتلاء بالمصائب البدنية كالأمراض والجروح ) والابتلاء بالتكليف هو أهم الابتلائين . وذلك أن اللّه تعالى لم يكفل للمسلمين الحفظ والنصر والسيادة لأنهم مسلمون وإنما يكلفهم الجرى على سنته تعالى كغيرهم فلا بد لهم من الاستعداد للمدافعة دائما وذلك يقتضى بذل المال والنفس . ومن هنا تعلم غلط الذين يفسرون الابتلاء بالمال والأمر ببذله والجهاد به - كل ذلك بالزكاة وما الزكاة إلا نوع من أنواع الحقوق التي جعلها اللّه في المال وهي كثيرة تشمل كل ما به صلاح الأمة ورفع شأنها من الأعمال وكل ما يدفع عنها الأعداء ، ويرد عنها المكاره والاسواء يعنى كالاعمال التي تعمل للوقاية من الأمراض والأوبئة ) ومن ذلك الابتلاء في المدافعة عن الحق سواء كان بالمال أو بالنفس فهو يوطن نفوسهم على الاخذ بالاحتياط في الأمور العامة والاستعانة عليها بالمال وتحمل المكاره ويحذرهم من الشره والطمع في المال حتى إذا طمعوا أو قصروا في الاحتياط كما وقع لهم في أحد علموا أنهم ما أصيبوا إلا