الشيخ محمد رشيد رضا
275
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بما كسبت أيديهم أو قصرت فيه هممهم فلا يتعللون ، ولا يقولون كيف أصبنا ونحن مسلمون ، وقدم ذكر المال لأنه هو الوسيلة التي يكون بها الاستعداد لبذل النفس فبذل المال يحتاج اليه قبل بذل النفس أو لأن الانسان كثيرا ما يبذل نفسه دفاعا عن ماله فالذين قالوا إن المال شقيق الروح لا حظوا الغالب ومن غير الغالب أن يقدم الانسان ماله على نفسه . علمنا أن فائدة الابتلاء هي تمييز الخبيث من الطيب وأما الاخبار به ففائدته التعريف بالسنن الآلهية وتهيئة المؤمن لها وحمله على الاستعداد لمقاومتها فان من تحدث له النعمة فجأة على غير استعداد ولا سعى ترجى هي من ورائه تدهشه وتبطره ، وربما تهيج عصبه فيقع في داء أو يموت فجأة ، وكذلك من تقع به المصيبة فجأة على غير استعداد يعظم عليه الأمر ويحيط به الغم حتى يقتله في بعض الأحيان . أما المستعد فإنه يكون ضليعا قويا أقول : يعنى أنه يحمل البلاء بلا تبرم ولا سآمة فان ظفر لا يفرح فرح البطر الفخور ، وإن خسر لا يشقى شقاء اليئوس الكفور ، فهذا الاعلام تربية من اللّه لعباده المؤمنين ، فما بالهم في هذا العصر عن التذكرة معرضين « أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ » . هذا وان الزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة بدر الأولى . والظاهر أن هذه الآيات نزلت في السنة الرابعة بعد غزوة بدر الآخرة كما يأتي . فالظاهر أن المراد بالابتلاء فيها بالمال هو الحاجة والقلة كما حصل في غزوة الأحزاب ثم في غزوة تبوكراجع تفسير 2 : 155 « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ » ص 33 ج 2 تفسير ) وتقرأ بيانه لنا بعد خمسة أسطر وأما قوله ( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) فهو ابتلاء آخر وقد نزلت هذه الآية بعد أن كان المشركون وأهل الكتاب ملأوا الفضاء بكلامهم المؤذى للرسول والمؤمنين ؛ فلماذا صرح الكتاب بهذا وهو ما ألفه المسلمون واعتادوه ؟ بل قال الأستاذ الامام : ان مثل هذا يدخل في الابتلاء في الأنفس وإنما خصه بالذكر لأنه من الأهمية بمكان أقول : نبه بهذه العبارة على عظم شأن هذا النبأ وليس عندي شئ عنه في