الشيخ محمد رشيد رضا

273

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من عمل الخير والطاعة ليس من متاع الدنيا والحصر بحسب ما عليه الغالب وأقول : حاصل معنى الجملة أن الدنيا ليست إلا متاعا من شأنه أن يغر الانسان ويشغله عن تكميل نفسه بالمعارف الحقيقية والأخلاق المرضية التي ترقى بروحه فتعدها لسعادة الآخرة فينبغي له أن يحذر من الاسراف في الاشتغال بمتاعها في نفسه فان أي نوع منه قد يشغله وينسيه نفسه ، وإن لم يكن الاشتغال به ضروريا ولا من حاجات المعيشة المعتدلة . أما ترى المغرمين فيها باللعب واللهو كالشطرنج والنرد وما في معناهما وهو كثير في هذا الزمان - كيف يسرفون في حياتهم ، وبفنون أعمارهم بين جدران بيوت اللهو كالقهاوى والحانات . وكل حزب بما لديهم فرحون ، لأنهم مغرورون مخدوعون ، إلا من وفقه اللّه لصرف معظم رمنه في علم يرقى به عقله وعبرة تتزكى بها نفسه وعمل صالح ينتفع به ، وينفع به عباد اللّه تعالى مع النية الصلطة والقلب السليم ، وما أحسن وصية الحلاج الأخيرة لمريده قبيل قتله « عليك بنفسك إن لم تشغلها شغلتك » وليس لمتاع الدنيا غاية ينتهى العامل إليها فتسكن نفسه ويطمئن قلبه بل المزيد منه يغرى بزيادة الاسراف في الطلب ؛ فلا ينتهى أرب منه إلا إلى أرب قال الشاعر : فما قضى أحد منا لبانته * ولا انتهى أرب إلا إلى أرب فمن هدى الذين تنبيه الناس إلى ذلك حتى لا تغلب عليهم الحيوانية فيكونوا من الهالكين ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) قال الرازي : اعلم أنه تعالى لما سلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ زاد في تسليته بهذه الآية فبين أن الكفار بعد أن آذوا الرسول والمسلمين يوم أحد فسيؤذونهم أيضا في المستقبل بكل طريق يمكنهم من الايذاء بالنفس والايذاء بالمال . والغرض من هذا الاعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع وذلك لأن الانسان إذا لم يعلم نزول البلاء عليه فإذا نزل البلاء شق ذلك عليه أما إذا كان عالما بأنه سينزل فإذا نزل لم يعظم وقعه عليه أقول : وعبارة الكشاف خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه . « تفسير آل عمران » « 18 رابع » « س 3 ج 4 »