الشيخ محمد رشيد رضا
264
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذلك بقوله ( 6 : 82 كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ) ذلك بأن من أقر فاعل المنكر فلم ينهه ولم يسخط عليه تكون نفسه مشاكلة لنفسه تأنس بما تأنس به ثم لا يلبث أن يفعل المنكر ولو بعد حين ما لم يكن عاجزا عن ذلك بسبب من الأسباب الحسية ، كضعف الجسم أو قلة المال أي أن مثل هذا لا يترك المنكر لأنه رذيلة تدنس نفس فاعلها فيكون بعيدا من الخير غير مستحق لرضوان اللّه عز وجل . قال الأستاذ الامام : وثم وجه آخر يجعل اسناد المنكر إلى مقره والراضي به اسنادا قريبا من الحقيقة وهو أن عدم النهى عن المنكر هو السبب في انتشاره وشيوعه لأن الميالين إلى المنكر لو علموا أن الناس يمقتونهم ويؤاخذونهم عليه لما فعلوه إلا ما يكون من الخلس الخفية . ولذلك كان الساكت على المنكر شريك الفاعل في الاثم - قال - كل هذا ظاهر فيمن يفعل المنكر في زمنه ولا ينكره وأما من يقع المنكر من قومهم قبل زمنهم كاليهود الذين نزلت هذه الآية وأمثالها فيها كقوله « فلم قتلتموهم ؟ فهم يتفقون مع من سبقهم في علة الجريمة ومبعثها من النفس وهو عدم المبالاة بالدين وقد كان هذا الخلف متفقين مع من سبقهم في الأخلاق والسجايا وينتسبون إليهم انتساب حسب وتشرف أي فهم جديرون بأن يكونوا على شاكلتهم . وأقول : إن المتأخر ربما كان أضرى بالشر من المتقدم لتمكن داعية الشر من نفسه بالوراثة والقدوة جميعا . وقد حاول غير واحد من اليهود قتله صلّى اللّه عليه وسلّم كما كان آباؤهم يفعلون بل هم الذين قتلوه ، فإنه مات بالسم الذي وضعته له اليهودية في الشاة بخبير فقد ورد في الحديث أنه قال لعائشة في مرض موته « يا عائشة ما زلت أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذ أوان وجدت انقطاع أبهرى » رواه البخاري في صحيحه وفي رواية لغيره من حديث أبي هريرة « ما زالت أكلة خيبر تعاودنى كل عام حتى كان هذا أوان انقطاع أبهرى » . الأستاذ الامام : ان اللّه تعالى نبهنا بهذا الضرب من التعبير إلى أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم بعين البصيرة ويطبقه على الشريعة فيستحسن منه ما استحسنت ويستقبح ما استهجنت ويسجل على المسىء من سلفه إساءته وينفر