الشيخ محمد رشيد رضا

263

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( سَنَكْتُبُ ما قالُوا ) وعيد لهم على ذلك القول الذي قالوه استهزاء بالقرآن . قرأ حمزة « سيكتب » بالياء المضمومة أي سيكتب قولهم هذا ويثبت عند اللّه تعالى فيعاقبهم عليه لأنه لا يفوته . وقرأ الباقون بالنون . قال الأستاذ الإمام قال مفسرنا كغيره أي نأمر بكتابته وغفلوا عن قوله ( وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) فإنه كان من سلفهم فما معنى التعبير عن كتابته بصيغة الاستقبال ؟ لا بد من تفسيره بوجه يصح في الأمرين ، ولكن ضعف المسلمين في لغة القرآن هو الذي أوقعهم في هذا الضعف في الفهم والضعف في الدين وتبع ذلك الضعف في كل شئ . ولا يقال - كما زعم بعض المجاورين - أن الفعل إذا أسند إلى اللّه تعالى يتجرد من الزمان فان الكلام في اختلاف التعبير . والمعنى الصحيح لهذه الكلمة « سنعاقبهم على ذلك حتما » فان الكتابة هنا عبارة عن حفظه عليهم ، ويراد به لازمه وهو العقوبة عليه . والتوعد بحفظ الذنب وكتابته وإرادة العقوبة عليه شائع مستعمل حتى اليوم فلا يحتاج إلى دقة نظر . ولفظ الكتابة آكد من لفظ الحفظ لما فيه من معنى الاستتباب وأمن النسيان . وإنما ضم قتل الأنبياء - وهو أفطع جرائم هذا الشعب - إلى الجريمة التي سيق الوعيد لأجلها لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور ليس بدعا من أمرهم وفإنه سبق لهم أن قتلوا الهداة المرشدين بعد ما جاءهم بالبينات ، فهم يجرون في هذا على عرق وليس هو بأول كبائرهم ، وللايذان بأن الجريمتين سيان في العظم واستحقاق العقاب‌كما قال صاحب الكشاف ) . وأما إضافة القتل إلى الحاضرين فقد تقدمت حكمته في سورة البقرة ويشير إليه قول المفسرين إنهم يعدون قتلة لرضاهم بما فعله سلفهم وهذا تحويم حول المعنى الذي أوضحناه هناك ، وهو أن الأمم متكافلة في الأمور العامة إذ يجب على الأمة الانكار على فاعل المنكر من أفرادها وتغييره أو النهى عنه لئلا يغشو فيها فيصبر خلقا من أخلاقها أو عادة من عادتها فتستحق عقوبته في الدنيا كالضعف والفقر وفقد الاستقلال ، كما تستحق عقوبته في الآخرة بما دنس نفوسها ولد لك لعن اللّه تعالى الذين كفروا من بني إسرائيل بما عصوا وكانوا يعتدون وبين سبب