الشيخ محمد رشيد رضا
258
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هم الملوك وأبناء الملوك هم * والآخذون به والسادة الأول قالوا والآخذون به أي بالملك . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونبوته ، فالبخل على هذا هو البخل بالعلم وبيان الحق . وروى عن الصادق وابن مسعود والشعبي والسدى وغيرهم أنها نزلت في مانعى الزكاة . وقال الأستاذ الامام : أكثر المفسرين على أن المراد بما آتاهم اللّه من فضله المال وأن البخل به هو البخل بالصدقة المفروضة فيه ، وعدم التصريح بذلك من ضروب إيجاز القرآن ، فكثيرا ما يترك التصريح بالقول لأنه مفهوم من السياق والقرائن دالة عليه ، واللبس مأمون . فلا يخطر ببال أحد أن الوعيد هو على البخل بجميع ما يملك الانسان من فضل ربه عليه ، فان اللّه أباح لنا الطيبات والزينة في نص كتابه والعقل يجزم أيضا بأن اللّه لا يكلف الناس بذل كل ما يكسبون وأن يبقوا جائعين عراة بائسين . وذهب آخرون إلى أن ذلك هو العلم وأن الكلام في اليهود الذين أوتوا صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكتموها . والأولى أن تبقى على عمومها فان المال من فضل اللّه ، وكذلك العلم والجاه والناس مطالبون بشكر ذلك ، والبخل على الناس به كفر لا شكر . قال : والحكمة في ترك النص على أن البخل المذموم هنا هو البخل بما يجب بذله مما يتفضل اللّه به على المكلف هي أن في العموم من التأثير في النفس ما ليس للتخصيص ، وهذه السورة متأخرة في النزول وكانت أكثر الأحكام إذا أنزلت مقررة فإذا طرق سمع المؤمن هذا القول تذكر فضل اللّه عليه وأن عليه فيه حقا للناس وأن هذا الخطاب يذكر به سواء منه ما هو معلوم معين وما ليس بمعلوم ولا معين بل هو موكول إلى اجتهاده الذي يتبع عاطفة الايمان . وإنما نفى أولا كونه خيرا ثم أثبت كونه شرا مع أن الثاني هو الظاهر الذي لا يمارى فيه لأن المانع للحق إنما يمنعه لأنه يحسب أن في منعه خيرا له لما في بقاء المال في اليد مثلا من الانتفاع به بالتمتع باللذات ودفع الغوائل والآفات ، وتوهم التمكن من قضاء الحاجات فان قيل : إن التحديد كان أوضح وأنفى للايهام ، قلنا : ان القرآن كتاب هداية ووعظ يخاطب الأرواح ليجذبها إلى