الشيخ محمد رشيد رضا
259
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الخير بالعبارة التي هي أحسن تأثيرا لا ككتب الفقه وغيره من كتب الفنون التي تتحرى فيها التعريفات الجامعة المانعة . وكتاب هذا شأنه لا يجرى على السنن الذي لا يليق الا بضعفاء العقول الذين فسدت فطرهم بالتعاليم الفاسدةيعنى تلك التعاليم التي تشغل الأذهان بعباراتها الضيقة وأساليبها المعقدة فلا ينفذ إلى القلب شئ مما يعتصر منها ولذلك قال ) وان مثل هذه العبارة المطلقة التي تخطر في البال بذل كل ما في اليد - وتكاد توجبه لولا الدلائل الأخرى - تحدث في النفس أريحية للبذل تدفعها إلى بذل الواجب وزيادة عليه . وأقول : إن هذه العبارة الأخيرة مبنية على القول بأن المراد بما يبخل به هو المال ، فإذا جرينا على القول الآخر المختار وهو أنه يعم المال والعلم والجاه وكل فضل من اللّه على العبد يمكنه أن ينفع به الناس يمكننا أن نجعلها من قبيل المثال ونقول إن التحديد في بيان ما يجب بذله للناس من الجاه والعلم متعذر ؛ إذا فرضنا أن ما يجب تحديد بذله في المال متيسر ، وبهذا كانت الآية شاملة لما لا يتأتى تفصيله الا بصحف كثيرة وكان الجواب أظهر ، والايجاز أبلغ في الاعجاز وأكبر أقول : ويؤيد العموم في قوله « بِما آتاهُمُ اللَّهُ » العموم في الجزاء على ذلك البخل في قوله ( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ولم يقل سيطوقون زكاتهم أو المال الذي منعوه . أما معنى التطويق فقد يكون من الطاقة فيكون بمعنى التكليف أي سيكلفون ذلك في الآخرة فلا يجدون اليه سبيلا كقوله ( 68 : 42 وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) وقد يكون من الطوق أي سيجعل ما بخلوا به طوقا في أعناقهم يوبقون بما يلزمهم من الجزاء عليه فلا يجدون عنه مصرفا . وسيأتي نحو ذلك في المأثور . وقال الأستاذ الامام : ان الآية لم تبينه ولا أشارت إلى كيفيته فان ورد في صحيح الأحاديث ما ببينه اتبع الوارد بقدره لا يزاد عليه ولا ينقص منه ، ووجب الايمان به عند من صح عنده على أنه من خبر الغيب الذي أمرنا بالايمان به لمحض الاتباع وذهب بعض المفسرين إلى أن معناه أنهم يحملون تبعة أموالهم ، يقال : طوقني الأمر أي ألزمنى إياه فحاصل المعنى على هذا : أن العقاب على البخل لزام لا مرد له أقول : فسر بعضهم التطويق بحديث أبي هريرة عند البخاري والنسائي « من