الشيخ محمد رشيد رضا
24
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من مودتنا شيئا ، فضلا عن أن يكون مثارا للعداوة والبغضاء بيننا . فأنا أعذرهم في رأيهم مع اعتقادي باخلاصهم وهم يعذروننى كذلك . ولنفرض أن الخلاف بيننا في مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام ، وهم يعتقدون حله ؛ أكان يكون بيننا تفرق لأجله ؟ كلا . لا ريب عندي انه لا فرق بين الخلافين واننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء . ثم قال ما مثاله مبسوطا : كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء . فمالك قد نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب فقال : ان عمل أهل المدينة أصل من أصولي ، لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبي وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملا . وأما أبو حنيفة فنشأ في العراق وأهلها كما اشتهر عنهم أهل شقاق ونفاق . فهو معذور إذا لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسا عليهم ، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر . لأنه بذل جهده في استبانة الحق مع الاخلاص للّه تعالى ، وإرادة الخير والطاعة . وقد نقل عن الأئمة ان كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه ، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا في سيرتهم ، حتى صار الهوى هو الحاكم في الدين ، وصار المسلمون شيعا ، يتعصب كل فريق إلى رأى من مسائل الخلاف ، ويعادى الآخر إذا خالفه فيه . وكان من جرّاء ذلك ما هو مدون في التاريخ . وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين ، وإلا فباللّه كيف يصدق أن يكون الامام الشافعي مثلا مصيبا في كل ما خالف به غيره ؟ وإذا كان الصواب في بعض المسائل الاجتهادية مع غيره ، فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شئ من ذلك ، فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم انه الصواب من مذهب غيره كأبي حنيفة أو مالك ؟ وهذا ما يقال في أتباع كل مذهب هذا النوع من الخلاف هو الذي ذلت به الأمم بعد عزها ، وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها - هو الافتراق في الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعا تتحكم فيهم الأهواء ، كما حصل من الفرق الاسلامية ، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر