الشيخ محمد رشيد رضا
255
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الغيب وهو ما في تبليغه للناس مصلحة ومنفعة لهم في الايمان كصفات اللّه تعالى واليوم الآخر وبعض شؤونه والملائكة . وهذا هو الغيب الذي أمر المكلفون بالايمان به ومدحوا عليه في مثل قوله تعالى ( 2 : 1 ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) . أقول : والدليل على كون المراد أن من يجتبيهم من رسله يطلعهم على ما شاء أن يبلغوه لعباده من خبر الغيب هو مثل قوله تعالى ( 72 : 26 عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً 27 إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً 28 لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ ) وعلى هذا يكون قوله تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ متضمنا للايمان بما أخبر به رسله من خبر الغيب وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي إن أنتم آمنتم بما جاءوا به من خبر الغيب وقرنتم بالايمان تقوى اللّه تعالى بترك المنهيات وفعل المأمورات بقدر الاستطاعة فلكم أجر عظيم لا يقدر قدره ولا يعرف كنهه . لزّ التقوى ههنا مع الايمان في قرن وترتيب الأجر عليهما معا هو الموافق للاى الكثيرة في الذكر الحكيم وهي أظهر وأشهر وأكثر من أن ينبه عليها بالشواهد كلما ذكر شئ منها . وقد ذهب وهم بعض الناس إلى أن الآية تدل على أن من اجتباهم اللّه من رسله يعلمون الغيب كله واستثنى بعضهم علم الساعة لكئرة ما ورد من الآيات التي تنفى علمها عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وزعم بعضهم أن اللّه تعالى أطلعه على علم الساعة قبل وفاته . وكل ذلك من الجرأة على اللّه تعالى والقول عليه بغير علم ( 6 : 50 قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ؟ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ) هذا ما أمر اللّه خاتم رسله أن يبلغه خلقه وهو ما أمر به من قبله من الرسل كما قال حكاية عن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسّلام ( 11 : 31 وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ) فهم كانوا ينفون أن يكونوا متصرفين في خزائن اللّه بالاعطاء والمنع وأن يكونوا يعلمون الغيب وأن يكونوا ملائكة أي من غير جنس