الشيخ محمد رشيد رضا
254
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
منها أن الصادق قد يفضى ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن والانخداع بأداء المنافق للواجبات الظاهرة ومشاركته للصادقين في سائر الأعمال فإذا عرفه اتقى ذلك - ومنها أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف انهم عليها لا لها ، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس وأما الأفراد فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم فان المؤمن الصادق قد يغتر بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق لأن هذا مما يخفى مكانه على صاحبه حتى تظهره الشدائد فلما كان هذا للبس ضارا بالافراد والجماعات ولم يكن من شأن اللّه ولا من حكمته أن يستبقى في عباده ما يضرهم مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب فتظهر الخفايا وتبلى السرائر حتى يرتفع الالتباس ؛ ويتضح المنهج السوى للناس قد يخطر في البال أن أقرب وسيلة لرفع اللبس هي أن يطلع اللّه المؤمنين على الغيب فيعرفوا حقيقة أنفسهم ، وحقائق الناس الذين يعيشون معهم ، ولكن اللّه تعالى أخبر أن هذا ليس من شأنه ولا من سنته كما أن ترك الالتباس والاشتباه ليس من سنته فقال ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ) وإنما لم يكن من شأنه اطلاع الناس على الغيب لأنه لو فعل ذلك لأخرج به الانسان عن كونه إنسانا فإنه تعالى خلق الانسان نوعا عاملا يحصل جميع رغائبه ويدفع جميع مكارهه بالعمل الكسبى الذي ترشده اليه الفطرة وهدى النبوة ، ولذلك جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس ويميز بين الخبيث والطيب بالابتلاء بالشدائد وما تتقاضاه من بذل الأموال والأرواح في سبيله التي هي سبيل الحق والخير لا سبيل الهوى كما ابتلى المؤمنين في واقعة أحد بجيش عظيم ، وابتلاهم باختيار الخزوج لمحاربته ، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة واخلاء ظهور قومهم لعدوهم ، تم ابتلاهم بظهور العدو عليهم جزاء على ما ذكر حتى ظهر نفاق المنافقين ، وزلزال ضعفاء المؤمنين ، وثبات كملة الموقنين . ( وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ ) أي يصطفيهم فيطلعهم على ما شاء من